أي كيف يعدل بكم عن طريق الحق بعد هذا البيان ؟ ثم بين أنه غني عن طاعات المطيعين وأنها لا تفيد إلا أنفسهم فقال
إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ
قال المعتزلة : في قوله
وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ
دليل على أن الكفر ليس بقضائه وإلا لكان راضيا به . وأجاب الأشاعرة بأنه قد علم من اصطلاح القرآن أن العباد المضاف إلى اللّه أو إلى ضميره هم المؤمنون . قال
وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ
[ الفرقان : 63 ]
عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ
[ الدهر : 6 ] فمعنى الآية : ولا يرضى لعباده المخلصين الكفر . وهذا مما لا نزاع فيه . أو نقول : سلمنا أن كفر الكافر ليس برضا اللّه بمعنى أنه لا يمدحه عليه ولا يترك اللوم والاعتراض إلا أنا ندعي أنه بإرادته ، وليس في الآية دليل على إبطاله . ثم بين غاية كرمه بقوله
وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ
والسبب في كلا الحكمين ما
جاء في الحديث القدسي « سبقت رحمتي غضبي »
وباقي الآية مذكور مرارا مع وضوحه . ثم حكى نهاية ضعف الإنسان وتناقض آرائه بقوله
وَإِذا مَسَّ
إلى آخره . وقد مر نظيره أيضا . وقيل : إن الإنسان هو الكافر الذي تقدّم ذكره .
وقيل : أريد أقوام معينون كعتبة بن ربيعة وغيره . ومعنى خوّله أعطاه لا لاستجرار العوض .
قال جار اللّه : في حقيقته وجهان : أحدهما جعله خائل مال من قولهم هو خائل مال وخال مال إذا كان متعهدا له حسن القيام به . ومنه ما
روي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يتخوّل أصحابه بالموعظة
أي يتعهد ويتكفل أحوالهم إن رأى منهم نشاطا في الوعظ وعظهم . والثاني أنه جعله يخول أي يفتخر كما قيل :
إن الغني طويل الذيل مياس ومعنى
نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ
نسي الضر الذي كان يدعو اللّه إلى كشفه ، أو نسي ربه الذي كان يتضرع إليه و « ما » بمعنى « من » . والمراد أنه نسي أن لا مفزع ولا إله سواه وعاد إلى اتخاذ الأنداد مع اللّه . واللام في
لِيُضِلَّ
لام العاقبة . ثم هدّده بقوله
تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ
كقوله
اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ
[ فصلت : 40 ] وفيه أن الكافر لا يتمتع بالدنيا إلا قليلا ثم يؤول إلى النار .
ثم أردفه بشرح حال المحقين الذين لا رجوع لهم إلا إلى اللّه ولا اعتماد لهم إلا على فضله فقال
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ
قال ابن عباس : القنوت الطاعة . وقال ابن عمر : لا أعلم القنوت إلا قراءة القرآن وطول القيام . والمشهور أنه الدعاء في الصلاة والقيام بما يجب عليه من الطاعة . وعن قتادة
آناءَ اللَّيْلِ
أوّله ووسطه وآخره . وفيه تنبيه على فضل قيام الليل ولا يخفى أنه كذلك لبعده عن الرياء ولمزيد الحضور وفراغ الحواس من الشواغل