ويعجب بعبادته فمنعه منه بقوله
وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ
وفيه إشارة إلى الصلاة لأن الخشوع من لوازمها
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ
[ المؤمنون :
1 ، 2 ] فلذلك أردفها بالصدقة . ثم بالصيام المانع من شهوة البطن فضم إلى ذلك الحفظ من شهوة الفرج التي هي ممنوع منها في الصوم مطلقا وفي غير الصوم مما وراء الأزواج والسراري . ثم ختم الأوصاف بقوله
وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً
يعني أنهم في جميع الأحوال يذكرون اللّه يكون إسلامهم وإيمانهم وقنوتهم وصدقهم وصومهم وحفظهم فروجهم للّه .
وإنما وصف الذكر بالكثرة في أكثر المواضع فقال في أوائل السورة
لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً
وقال في الآية
وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً
ويجيء بعد ذلك
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً
لأن الإكثار من الأفعال البدنية متعسر يمنع الاشتغال ببعضها من الاشتغال بغيرها بحسب الأغلب ، ولكن لا مانع من أن يذكر اللّه وهو آكل أو شارب أو ماش أو نائم أو مشغول ببعض الصنائع والحرف ، على أن جميع الأعمال صحتها أو كمالها بذكر اللّه تعالى وهي النية . قال علماء العربية : في الآية عطفان : أحدهما عطف الإناث على الذكور ، والآخر عطف مجموع الذكور والإناث على مجموع ما قبله . والأول يدل على اشتراك الصنفين في الوصف المذكور وهو الإسلام في الأول والإيمان في الثاني إلى آخر الأوصاف ، والثاني من باب عطف الصفة على الصفة فيئول معناه إلى أن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات أعد اللّه لهم .
وحين انجر الكلام من قصة زيد إلى هاهنا عاد إلى حديثه .
قال الراوي : خطب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم زينب بنت حجش وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب على مولاه زيد بن حارثة فأبت وأبى أخوها عبد اللّه فنزلت
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ
الآية . فقالا : رضينا يا رسول اللّه فأنكحها إياه وساق عنه المهر ستين درهما وخمارا وملحفة ودرعا وإزارا وخمسين مدا من طعام وثلاثين صاعا من تمر .
وقيل : نزلت في أن كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وهي أول من هاجر من النساء وهبت نفسها للنبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : قد قبلت ، وزوّجها زيدا فسخطت هي وأخوها وقالا : إنما أردنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فزوّجها عبده .
وقال أهل النظم : إنه تعالى لما أمر نبيه أن يقول لزوجاته إنهن مخيرات فهم منه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لا يريد ضرر الغير فعليه أن يترك حق نفسه لحظ غيره ، فذكر في هذه الآية أنه لا ينبغي أن يظن ظانّ أن هوى نفسه متبع ، وأن زمام الاختيار بيد الإنسان كما في حق زوجات النبي ، بل ليس لمؤمن ولا مؤمنة أن يكون له اختيار عند حكم اللّه ورسوله ، فأمر اللّه هو المتبع وقضاء الرسول هو الحق ، ومن خالف اللّه ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ، لأن المقصود هو اللّه والهادي هو النبي ، فمن ترك المقصد