ولو كانت تعبدا محضا للزم قبوله ، كيف وإنها توافق المعقول ، أعاد الاستدلال بالأمور المشاهدة الآفاقية والأنفسية . ومعنى
سَخَّرَ لَكُمْ
لأجلكم كما مر في سورة إبراهيم من قوله
وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ
[ إبراهيم : 33 ] الآية ومعنى
أَسْبَغَ
أتم ، والنعم الظاهرة كل ما يوجد للحس الظاهر إليه سبيل ومن جملتها الحواس أنفسها . والباطنة ما لا يدرك إلا بالحس الباطن أو بالعقل أو لا يعلم أصلا . ومن المفسرين من يخص ، فعن مجاهد : الظاهرة ظهور الإسلام والنصر على الأعداء ظاهرا ، والباطنة إمداد الملائكة . وعن الضحاك : الظاهرة حسن الصورة وامتداد القامة وتسوية الأعضاء والباطنة المعرفة والعلم .
وقيل : النفس . ثم ذكر أن بعض الناس يجادلون في اللّه بعد ظهور الدلائل على وحدانيته وقد مر في أول « الحج » . ثم ذكر أنه لا مستند له في ذلك إلا التقليد ، ثم وبخه على جهله وتقليده بأنه يتبع سبيل الشيطان ولو دعاه إلى النار قائلا
أَ وَلَوْ كانَ
إلخ . ومعناه أيتبعونهم ولو كان كذا ؟ ثم أراد أن يفصل حال المؤمن والكافر بعض التفصيل فقال
وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ
وهو نظير قوله في « البقرة »
بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ
[ الآية : 112 ] والفرق أن معناه مع « إلى » يرجع إلى التفويض والتسليم ، ومع اللام يؤول إلى الإخلاص والإذعان والاستمساك بالعروة الوثقى تمثيل كما مر في آية الكرسي . وقوله يمتعهم الآية . كقوله في البقرة
وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ
[ الآية : 126 ] وغلظ العذاب شدته . ثم بين أنهم معترفون بالمعبود الحق إلا أنهم يشركون به وقد مر في آخر « العنكبوت » مثله إلا أنه قال في آخره
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
وذلك أنه زاد هناك قوله
وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
[ الرعد : 2 ] فبالغ ، فإن نفي العقل أبلغ من نفي العلم إذ كل عالم عاقل ولا ينعكس . ثم ذكر أن الملك كله له وهو غني على الإطلاق حميد بالاستحقاق . وحين بين غاية قدرته أراد أن يبين أنه لا نهاية لعلمه فقال
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ
الآية . عن ابن عباس : أنها نزلت جوابا لليهود وأن التوراة فيها كل الحكمة . وقيل : هي جواب قول المشركين أن الوحي سينفد .
وتقدير الآية على قراءة الرفع : لو ثبت كون الأشجار أقلاما وثبت البحر ممدودا بسبعة أبحر . ويجوز أن تكون الجملة حالا واللام في البحر للجنس . وجعل جنس البحار ممدودا بالسبعة للتكثير لا للتقدير ، فإن كثيرا من الأشياء عددها سبعة كالسيارات السبعة والأقاليم السبعة وأيام الأسبوع ومثله
قوله صلى اللّه عليه وسلم « المؤمن يأكل في معا واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء » « 1 »
أراد الأكل الكثير . وقال في الكشاف جعل البحر الأعظم بمنزلة الدواة ، وجعل
هامش
( 1 ) رواه البخاري في كتاب الأطعمة باب 12 . مسلم في كتاب الأشربة حديث 182 - 186 . الترمذي في كتاب الأطعمة باب 20 ابن ماجة في كتاب الأطعمة باب 3 . الدارمي في كتاب الأطعمة باب 13 .
الموطأ في كتاب صفة النبي حديث 9 ، 10 . أحمد في مسنده ( 2 / 21 ، 43 ) ( 4 / 336 ) .