مهما غلب على ظنك كون الحكم في الأصل معللا بكذا ثم غلب على ظنك قيام ذلك المعنى في صورة أخرى فاحكم بذلك فهذا الحكم مقطوع به والظن واقع في طريقه . سلمنا جواز المخالفة لكنه مشروط بصدوره عن غير معصوم ، ولهذا لو اجتمعت الأمة على مسألة اجتهادية امتنع خلافهم . وكان الرسول أوكد ، وبأن التوقف لعله وجد منه حين لم يظهر له وجه الاجتهاد وبأن الأمة أجمعوا على عدم جواز اجتهاد جبرائيل . ومما يدل على جواز الاجتهاد لنا أنه إذا غلب على ظن المجتهد أحد الطرفين فإن عمل بهما كان جمعا بين النقيضين ، وان أهملهما لزم ارتفاع النقيضين ، وإن عمل بالمرجوح دون الراجح فذلك باطل بالاتفاق فلم يبق إلا العمل بالراجح . قال الجبائي : ولئن سلمنا أن الاجتهاد على الأنبياء جائز لكن هذه المسألة غير اجتهادية لأن الذي أتلفه صاحب الماشية مجهول المقدار ، فكيف يجعل الغنم في مقابلة ذلك ؟ وأيضا إن اجتهاد داود إن كان صوابا فالاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد ، وإن كان خطأ فكيف لم يذكر اللّه توبته بل مدحه بقوله
وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
وأيضا لو حكم بالاجتهاد لم يسم ذلك علما ، وأيضا قوله
فَفَهَّمْناها
يدل على أنه من اللّه لا من سليمان . وأجيب بأن الجهالة بعد تسليمها قد تكون معفوا عنها كما في حكم المصراة ، ولعل الخطأ في اجتهاده كان من الصغائر فلهذا أهمل ذكره والاجتهاد من باب العلوم والظن في الطريق كما مر ، والذي يحصل في نظر المجتهد مستند إلى اللّه . أما الذين منعوا من الاجتهاد مطلقا أو في هذه المسألة ، فذهبوا إلى أن حكومة داود نسخت بحكومة سليمان ، ولا استبعاد في أن يوحي الناسخ إلى غير من أوحى إليه المنسوخ . قال الفقهاء :
مثال حكومة داود في شرعنا قول أبي حنيفة في العبد إذا جنى على النفس خطأ يدفعه المولى بذلك أو يفديه ، وعند الشافعي يبيعه في ذلك ويفديه ، ولعل قيمة الغنم كانت على قدر النقصان في الحرث . ومثال حكومة سليمان قول الشافعي فمن غصب عبدا فأبق من يده فإنه يضمن القيمة فينتفع به المغصوب منه بإزاء ما فوته الغاصب من منافع العبد ، فإذا ظهر العبد يرد ويقال له ضمان الحيلولة . هذا ولو وقعت هذه القضية في شرعنا فلا ضمان عند أبي حنيفة وأصحابه لا بالليل ولا بالنهار ، لأن جرح العجماء جبار . إلا أن يكون معها راع .
والشافعي يوجب الضمان بالليل دون النهار لأن الليل وقت الهدوء وجمع الماشية ، فتسريحها تقصير من صاحبها بخلاف النهار .
وعن البراء بن عازب أنه كانت له ناقة ضارية فدخلت حائطا فأفسدته ، فذكروا ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقضى أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها ، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها ، لأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل .
قال بعض الأصوليين : كل مجتهد مصيب لقوله
وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
وقال