تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
هو دعاؤه على قومه بنحو قوله
رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ
[ القمر : 10 ] . وقوله
رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً
[ نوح : 26 ] بدليل قوله
فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ
أي أهل دينه وهم من معه في الفلك
مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ
وهو الطوفان وما كان فيه من تكذيب قومه وإيذائهم . وفي لفظ الكرب وهو الغم الذي يأخذ بالنفس ، ثم وصفه بالعظم إشعار بأنه عليه السلام لقي من قومه أذى شديدا لا يكتنه كنهه . ثم زاده بيانا بقوله
وَنَصَرْناهُ
الآية . تقول : نصرته منه فانتصر إذا جعلته منتصرا منه أي منتقما .
وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي
شأن
الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ
ظرف ل
يَحْكُمانِ
وهو حكاية حال ماضية . قال ابن السكيت . النفش بالتحريك أن ينتشر الغنم بالليل من غير راع وعليه جمهور المفسرين . وعن الحسن : إنه يكون ليلا ونهارا . وليس في قوله
وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ
دلالة على أن أقل الجمع اثنان لاحتمال أنه أرادهما والمتحاكمين إليهما . والضمير في
فَفَهَّمْناها
للحكومة أو الفتوى . ويروى أنه دخل رجلان على داود عليه السلام أحدهما صاحب حرث . أي زرع . وقيل كرم - والآخر صاحب غنم . فقال صاحب الحرث : إن غنم هذا دخلت حرثي وأكلت منه شيئا . فقال داود : اذهب فإن الغنم لك . فخرجا فمرا على سليمان وهو ابن إحدى عشرة سنة فقال : كيف قضى بينكما ؟ فأخبراه . فقال : لو كنت أنا القاضي لقضيت بغير هذا . فأخبر بذلك أبوه فدعاه وقال : كيف كنت تقضي بينهما ؟ قال : أدفع الغنم إلى صاحب الحرث فتكون له منافعها من الدر والنسل والوبر حتى إذا عاد الحرث من العام القابل كهيئته يوم أكل دفعت الغنم إلى أهلها وقبض صاحب الحرث حرثه . قال أبو بكر الأصم : الحكمان واحد لأن الثاني بيان للأول . والمشهور عن الصحابة ومن بعدهم أنهما متغايران لقوله
وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ
ولقوله :
فَفَهَّمْناها
والفاء للتعقيب فدل على أنه فهم حكما خلاف الأول . وعلى تقدير الاختلاف فهما بالوحي أو بالاجتهاد ، فيه خلاف بين العلماء ، فمنهم من لم يجوز الاجتهاد على الأنبياء أصلا كالجبائي لقوله :
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى
[ النجم : 3 ]
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ
[ الأنعام : 50 ] ولأن النبي قادر على تحصيل حكم الواقعة بالنص ، ولأن مقتضى الاجتهاد مظنون وخلاف المظنون لا يوجب الكفر وخلاف الرسول يوجب الكفر ، ولما ثبت أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يتوقف في بعض الأحكام انتظارا للوحي ولو جاز له الاجتهاد لم يتوقف ، ولأنه لو جاز على النبي لجاز على جبرائيل أيضا وحينئذ يرتفع الأمان عن الوحي فلعل هذه الشرائع من مجتهدات جبرائيل . وأجيب بأنه إذا أوحي إليه جواز الاجتهاد له صح قوله :
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
[ النجم : 3 - 4 ] وبأن الحكم الحاصل عن الاجتهاد مقطوع لا مظنون لأنه تعالى إذا قال له