تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
أحسبوا أنفسهم متروكة غير مفتونين لأن قالوا آمنا وأقول : إن من خواص « أن » مع الفعل و « أن » مع جزأيه سدّها مسدّ مفعولي أفعال القلوب ، والحكم بأن الترك هاهنا بمعنى التصيير غير لازم يؤيد ما ذكرنا من المعنيين قوله سبحانه في موضع آخر
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا
[ التوبة : 16 ] والفتنة الامتحان بشدائد التكليف من مفارقة الأوطان وكل ما يحب ويستلذ ، ومن ملاقاة الأعداء والمصابرة على أذاهم وسائر ما تكرهه النفس . والتحقيق أن المقصود من خلق البشر هو العبادة الخالصة للّه . فإذا قال باللسان : آمنت فقد ادعى طاعة اللّه بالجنان فلا بدّ له من شهود وهو الإتيان بالأركان ، وإذا حصل الشهود فلا بد له من مزك وهو بذل النفس والمال في سبيل الرحمن . فمعنى الآية : أحسبوا أن يقبل منهم دعواهم بلا شهود وشهود بلا مزك ؟ أو المراد أحسبوا أن يتركوا في أول المقامات لا بل ينقلون إلى أعلى الدرجات وهو مقام الإخلاص والقربات ؟ ثم مثل حال هؤلاء بحال السلف منهم قائلا
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
أراد كذلك فعل اللّه بمن قبلهم لم يتركهم بمجرد قولهم « آمنا » ، بل أمرهم بالطاعات وزجرهم عن المنهيات . وقوله
فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ
كقوله
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ
[ الآية : 140 ] وقد مر تحقيقه في « آل عمران » . والحاصل أن التجدد يرجع إلى المعلوم لا إلى العالم ولا إلى العلم ، وذلك لأن الأول زماني دون الأخيرين . وأما عبارات المفسرين فقال مقاتل : فليرين اللّه وليظهرن اللّه . وقيل : فليميزن ، وجوز جار اللّه أن يكون وعدا ووعيدا كأنه قال : وليبينن الذين صدقوا وليعاقبن الكاذبين . قال الإمام فخر الدين الرازي : في وقت نزول الآية كانت الحكاية عن قوم قريبي العهد بالإسلام في أول إيجاب التكليف وعن قوم مستديمي الكفر مستمرين عليه ، فقال في حق الأوّلين
الَّذِينَ صَدَقُوا
بصيغة الفعل المنبئ عن التجدد ، وقال في حق الآخرين
وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ
بالصيغة المنبئة عن الثبات . وإنما قال
يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ
[ المائدة : 119 ] بلفظ اسم الفاعل لأن الصدق يومئذ قد يرسخ في قلوب المؤمنين بخلاف أوائل الإسلام . ثم بين بقوله
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ
إلخ . أن من كلف بشيء ولم يمتثل عذب في الحال وإلا يعذب في الاستقبال نظيره قوله ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا [ الأنفال : 59 ] والحاصل أن الإمهال لا يوجب الإهمال ، والتعجيل في جزاء الأعمال إنما يوجد ممن يخاف الفوت لولا الاستعجال . ومعنى الإضراب أن هذا الحسبان أشنع من الحسبان الأول ، لأن ذلك يقدر أنه لا يمتحن لإيمانه وهذا يظن أنه لا يجازى بمساويه ولهذا ختم الآية بقوله
ساءَ ما يَحْكُمُونَ
والمخصوص محذوف و « ما » موصولة أو مبهمة والتقدير : بئس الذي يحكمون حكمهم هذا ، وبئس حكما يحكمونه حكمهم هذا . وفي الآية إبطال قول من ذهب إلى أن التكاليف