تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
المتفضل به » ممنوع لأن ذلك التفاوت إنما يحصل في حق من يستنكف من تفضله ، أما الذي حصل ذاته وصفاته بإحسانه فكيف يستنكف من تفضله ؟ قلت : لقائل أن يقول : مجرد الاستبعاد لا يصلح للمنع على أن لذة الأجر يستحيل أن تحصل بدون الأجر . ثم نزه نفسه بقوله
سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
والغرض أن الخلق والاختيار والإعزاز والإذلال والإهانة والإجلال كلها مفوض وجوبها إليه ليس لأحد فيه شركة ومنازعة . ثم أكد ذلك بقوله
وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ
من عداوة نبيه
وَما يُعْلِنُونَ
من مطاوعتهم فيه . ويحتمل أن يكون عاما يشمل السرائر والظواهر كلها وهو المستأثر بالإلهية . و
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
تقرير لما قبله
لَهُ الْحَمْدُ فِي
الدار
الْأُولى
على نعمه الفائضة على البر والفاجر
وَ
في الدار
الْآخِرَةِ
كقولهم
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ
[ فاطر : 34 ]
وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
[ يونس : 10 ] والتحميد هناك على وجه اللذة لا التكليف . قال أهل السنة : الثواب يستحق عند المعتزلة فلا يستحق الحمد بفعله من أهل الجنة ، وأما أهل النار فلم ينعم عليهم حتى يستحق الحمد منهم . والجواب ما ذكرناه أن تحميدهم يجري مجرى التنفس . قال القاضي : إنه يستحق الحمد من أهل النار أيضا بما فعل بهم في الدنيا من التمكين والتيسير والألطاف وسائر النعم ، وأنهم بإساءتهم لا يخرج ما أنعم اللّه به عليه من أن يوجب الشكر . وقال في التفسير الكبير : فيه نظر ، لأن أهل الآخرة مضطرون إلى معرفة الحق فإذا علموا أن التوبة واجبة القبول وأن الشكر مما يوجب الثواب فلا بد أن يتوبوا ويشتغلوا بالشكر ليستحقوا الثواب ويتخلصوا من العقاب . ولقائل أن يقول : لا يلزم من وجوب قبول التوبة واستحقاق الجزاء على العمل في دار التكاليف أن يكون الأمر كذلك في غير دار التكاليف . ثم بين بقوله
وَلَهُ الْحُكْمُ
أن القضاء بين العباد مختص به فلو لا حكمه لما نفذ على العبد حكم سيده ، ولا على الزوجة حكم زوجها ، ولا على الابن حكم أبيه ، ولا على الرعية حكم سلطانهم ، ولا على الأمة حكم رسولهم وإلى محل حكمه وقضائه يرجع كل عبيده وإمائه .

التأويل :

وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى
القلب مقام القرب والوحي والمكالمة وكشف العلوم بعد هلاك فرعون النفس وصفاتها
لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
إذ كانوا في عالم الأرواح مستمعين خطاب
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
[ الأعراف : 172 ]
وَما كُنْتَ
في غرب العدم بل كنت في شرق الوجود في عالم الأرواح
إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى
أمر اتخاذ العهد منه أن يؤمن بك كقوله
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ
[ آل عمران : 81 ] وما كنت في عالم الشهادة
وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً
في عالم الشهادة
فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ
فاحتجوا بالنفس وصفاتها ونسوا تلك