تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
بحال من أهله للفلاح حيث جعله نبيا ووعده حسنى العقبى ، ولو كان كاذبا كما يزعمون لم يؤهله لذلك لأنه لا يفلح عنده الظالمون ، واعلم أن فرعون كان من عادته عند ظهور حجة لموسى أن يتعلق في دفع تلك الحجة بشبهة يروّجها على أغمار قومه فذكر هاهنا أمرين : الأوّل قوله
ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي
فكأنه استدل بعدم الدليل على عدم المدلول وهو خطأ من جهة أن الدليل على المدلول وهو وجود الصانع أكثر من أن يحصى ، ومن جهة أن عدم الدليل لا يستلزم عدم المدلول . وأما قوله
غَيْرِي
فقد تكلف له بعضهم أنه لم يرد به أنه خالق السماوات والأرض وما فيهما فإن امتناع ذلك بديهي ، وإنما أراد به نفي الصانع والاقتصار على الطبائع وأنه لا تكليف على الناس إلا أن يطيعوا ملكهم وينقادوا لأمره . الثاني قوله
فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ
وقد تكلفوا له هاهنا أيضا فقيل : إنه يبعد من العاقل أن يروم صعود السماء بآلة ، ولكنه أراد أنه لا سبيل إلى إثبات الصانع من حيث العقل كما مر ، ولا من حيث الحس فإن الإحساس به يتوقف على الصعود وهو متعذر ، وإلا فابن يا هامان مثل هذا البناء وإنما قال ذلك تهكما . فبمجموع هذه الأشياء قرر أنه لا دليل على الصانع ، ثم رتب النتيجة عليه وهو قوله
وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ
يحتمل أن يريد لأعلمه من الكاذبين . والأكثرون من المفسرين على أنه بنى مثل هذا البناء جهلا منه أو تلبيسا على ملئه حيث صادفهم أغبى الناس وأخلاهم من الفطن . يروى أن هامان جمع العمال حتّى اجتمع منهم خمسون ألف بناء سوى الأجراء ، وأمر بطبخ الآجر والجص ونجر الخشب وضرب المسامير فشيدوه حتى بلغ مبلغا لا يقدر الباني أن يقوم عليه ، فبعث اللّه جبريل عند غروب الشمس فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع ، وقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل ، ووقعت قطعة في البحر ، وقطعة في المغرب ولم يبق أحد من عماله إلا قد هلك . و روي في القصة أن فرعون ارتقى فوقه فرمى بنشابة نحو السماء فأراد اللّه أن يفتنهم فردّت إليه وهي ملطوخة بالدم فقال : قد قتلت إله موسى ، فعند ذلك بعث اللّه جبرائيل لهدمه . قال أهل البيان : إن صح حديث ردّ النشابة ملطوخة فقد تهكم به بالفعل كما ثبت التهكم بالقول في غير موضع . وإنما قال
فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ
ولم يقل : اطبخ لي الآجر . لأن هذه العبارة أحسن ، ولأن فيه تعليم الصنعة ، وقد كان أوّل من عمل الآجر فرعون . عن عمر أنه حين سافر إلى الشام ورأى القصور المشيدة بالآجر قال : ما علمت أن أحدا بنى الآجر غير فرعون . والطلوع والاطلاع الصعود يقال : طلع الجبل واطلع . وفي قوله سبحانه
وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ
يعني أرض مصر
بِغَيْرِ الْحَقِّ
إشارة إلى أن الاستكبار بالحق إنما هو للّه تعالى كما جاء في الحديث القدسي « الكبرياء
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 343 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات