الذي توجه الذم إليه . وللانتصار حد معلوم وهو أن لا يزيد على الجواب لقوله تعالى :
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
[ البقرة : 194 ]
وقال صلى اللّه عليه وسلم « المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما حتى يتعدى المظلوم » « 1 »
ثم ختم السورة بآية جامعة للوعيد كله فقال
وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا
خصصه بعضهم بالشعراء إذا خرجوا عن حد الإنصاف ، ومالوا إلى الجور والاعتساف ، ولعله عام يتناول لكل من ظلم نفسه بالإعراض عن تدبر ما في هذه السورة بل القرآن كله . وقوله
أَيَّ مُنْقَلَبٍ
صفة لمصدر محذوف والعامل
يَنْقَلِبُونَ
أي ينقلبون في الدركات السفلى انقلابا أيّ منقلب ولا يعمل فيه
سَيَعْلَمُ
لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله . وعن ابن عباس أنه قرأه بالفاء والتاء والمراد سيعلمون أن ليس لهم وجه من وجوه الانفلات وهو النجاة .
التأويل :
ولو نزلناه على بعض الأعجميين فيه إظهار القدرة من وجهين : الأول جعل الأعجمي بحيث يقرأ العربي عليهم كقول القائل : أمسيت كرديا وأصبحت عربيا .
والثاني أن أهل الإنكار لا يصيرون أهل الإقرار ولو أتاهم مثل هذا الإعجاز البين ، وذلك لأن اللّه كذلك يسلكه في قلوبهم فيأتيهم عذاب البعد والطرد في الدنيا
بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
لأنهم نيام فإذا ماتوا انتبهوا فيقولون هل نحن منظرون .
وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ
لأنهم خلقوا من النار والقرآن نور قديم فلا يكون للنار المخلوقة قوة حمل النور القديم ، ولهذا تستغيث النار من نور المؤمن وتقول : جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي .
فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ
لأن كل من طلب مع اللّه شيئا آخر حتى الجنة فله عذاب البعد والحرمان من اللّه .
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
فيه أن النسب نسب النفوس فإن أكل المرء يشبعه ولا يشبع ولده . إلا إذا أكل الطعام كما أكل والده وهذا معنى المتابعة .
إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ
لم يقل
« إني بريء منكم »
لأن المراد لا تبرأ منهم وقل لهم قولا جميلا بالنصح والموعظة الحسنة حتى يرجعوا ببركة دعوتك إلى القول الحق ، أو ينالوا الجنة بواسطة شفاعتك .
وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ
بأن خلق روح كل ساجد من روحك .
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ
في الأزل مقالتك « أنا سيد ولد آدم ولا فخر » لأن أرواحهم خلقت من روحك
الْعَلِيمُ
باستحقاقك لهذه الكرامة اللّه تعالى حسبي .
هامش
( 1 ) رواه مسلم في كتاب البر حديث 69 . أبو داود في كتاب الأدب باب 39 . الترمذي في كتاب البر باب 51 . أحمد في مسنده ( 2 / 235 ، 488 ) ( 4 / 162 ) .