تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
يتلقن من العجمي كلاما عربيا أعجز بفصاحته دهماءهم ، ولو استعان محمد في ذلك بغيره لأمكنهم أيضا أن يستعينوا بغيرهم . قال أبو مسلم : الظلم تكذيبهم الرسول والزور كذبهم عليه . الشبهة الثانية قولهم أنه
أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
أي أحاديث سطرها المتقدمون كأخبار الأعاجم
اكْتَتَبَها
لنفسه كقولك « استكب الماء » أي سكبه لنفسه وأخذه وقد يظن أن في الكلام قلبا لأنه يقال « أمليت عليه فهو يكتتبها » وأجيب بأن المعنى أراد اكتتابها فهي تقرأ عليه أو كتبت له وهو أمي فهي تملى أي تلقى عليه من كتابه يتحفظها ، لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب . قال الضحاك : ما يملى عليه بكرة يقرأ عليكم عشية ، وما يملى عليه عشية يقرأ عليكم بكرة ، وقال جار اللّه
بُكْرَةً وَأَصِيلًا
أي دائما أو في الخفية قبل أن ينتشر الناس وحين يأوون إلى مساكنهم . فأجاب عن هذه الشبهة بقوله
قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ
الآية . والمعنى أن العالم بكل سر هو الذي يقدر على الإتيان بمثل هذا الكتاب لفصاحة مبانيه وبلاغة معانيه وبراءته من التناقض والاختلاف واشتماله على الغيوب وعلى مصالح العباد في المعاش والمعاد . قال أبو مسلم : أراد أنه يعلم كل سر خفي ومن جملته ما تسرونه أنتم من الكيد والنفاق فهو يجازيكم عليه ، ولأجل هذا الوعيد ختم الآية بذكر المغفرة والرحمة فإنه لا يوصف بهما إلا القادر على العقوبة . وقيل : هو تنبيه على أنهم استحقوا بمكابرتهم العذاب العاجل ولكنه صرفه عنهم برحمته وغفرانه . الشبهة الثالثة قولهم على سبيل الاستهانة وتصغير الشأن
ما لِهذَا
الزاعم أنه رسول أي ما باله
يَأْكُلُ الطَّعامَ
كما نأكل ويتردد في الأسواق لطلب المعاش كما نتردد . زعموا أنه كان يجب أن يكون ملكا مستغنيا عن الأكل والتعيش ، ثم نزلوا عن هذا المقام فطلبوا أن يكون إنسانا معه ملك يعضده ويساعده في باب الإنذار ، ثم نزلوا فاقترحوا أن يكون مستظهرا بكنز يلقى إليه من السماء حتى لا يحتاج إلى تحصيل المعاش ، ثم نزلوا فقالوا : لا أقل من أن يكون كواحد من الدهاقين له بستان ينتفع هو أو ننتفع نحن بذلك على اختلاف القراءتين . وانتصب
فَيَكُونَ
لأنه جواب « لولا » بمعنى « هلا » وحكمه حكم الاستفهام ومحل
أُنْزِلَ
الرفع كما يقول : لولا ينزل ولهذا عطف عليه يلقى ويكون مرفوعين
وَقالَ الظَّالِمُونَ
من وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بالظلم فيما قالوا ، وهم كفار قريش النضر بن الحرث وأمثاله . والمسحور المغلوب على عقله ، والأمثال الأقوال النادرة ، والاقتراحات الغريبة المذكورة فبقوا متحيرين لا يجدون قولا يستقرون عليه ، أو فضلوا عن الحق ولا يجدون طريقا إليه . وقد مر مثل هذه الآية في أواسط سورة بني إسرائيل .