تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
مدة التكليف . والنذير المنذر أو الإنذار كالنكير . قالت المعتزلة : لو لم يرد الإيمان من الكل لم يكن الرسول نذيرا للكل . وعورض بنحو قوله
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ
[ الأعراف : 179 ] والإنذار الموجب للخوف لا ينافي وصفه تعالى بالبركة والخير لأن النظر على السعادات الأخروية التي تحصل بالإنذار على فوات بعض اللذات العاجلة . ثم وصف ذاته بصفاته الأربع أولها
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
وفيه تنبيه على افتقار الكل إليه في الوجود وفي توابعه من البقاء وغيره . الثانية
وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً
وفيه رد النصارى واليهود الثالثة
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ
وفيه رد على سائر المشركين من الثنوية والوثنية وأرباب الشرك الخفي أيضا ، ولكنه صرح بهذا الأخير في الصفة الرابعة وهي قوله
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً
قال جار اللّه : المعنى أنه أحدث كل شيء إحداثا مراعى فيه التقدير والتسوية والتهيئة لما يصلح له ، أو المراد بالخلق الإيجاد من غير نظر إلى وجه الاشتقاق وهو ما فيه من معنى التقدير لئلا يلزم التكرار فكأنه قيل : أوجد كل شيء فقدره في إيجاده لم يوجده متفاوتا ، أو أحدثه فقدره للبقاء إلى أمد معلوم . وعندي أن الكلام محمول على القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس أي قدره في الأزل تقديرا فخلفه في وقته موافقا لذلك التقدير . والبحث فيه بين المعتزلة والأشاعرة كما مر في قوله
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ
[ الزمر : 62 ] ثم صرح بتزييف مذاهب عبدة الأوثان قائلا
وَاتَّخَذُوا
الآية . وحاصله أن إله العالم يجب أن يكون أقدر الأشياء وأشرفها لا أعجزها وأخسها وهو الجماد بل الملائكة والمسيح لأنه لا قدرة لهم على الإيجاد والتصرف في شيء إلا بإذن اللّه ، فتكون الآية ردا على الكل . وإنما قال في هذه السورة
مِنْ دُونِهِ
لتقدم الذكر مفردا وفي مريم ويس
مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ يس : 74 ومريم : 48 ] لأن ما قبلهما بلفظ الجمع تعظيما فلن يكن بد من التصريح . وحين فرغ من بيان التوحيد ونفي الأنداد شرع في شبهات منكري النبوة والأجوبة عنها . فالشبهة الأولى قولهم
إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ
أرادوا أنه كذب في نفسه أو أرادوا أنه كذب في إضافته إلى اللّه تعالى . وقوله
وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ
نظير قوله تعالى
إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي
[ النحل : 103 ] وقد مر ما قيل في سبب نزوله في النحل فأجاب اللّه تعالى عن شبهتهم بقوله
فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً
أي أتوهما فانتصب بوقوع المجيء عليه . وعن الزجاج أنه انتصب بنزع الخافض أي أتوا بالظلم والزور . فالظلم هو أنهم نسبوا هذا الفعل الشنيع وهو الافتراء على اللّه . إلى من هو عندهم في غاية الأمانة والصدق ، والزور وهو انحرافهم عن جادة العدل والإنصاف ، فلو أنصفوا من أنفسهم لعلموا أن العربي لا