ضرب رأسه وكذلك في سائر الأعضاء بعد ثبوت السماع ، وفيه إشارة إلى أن إقامة هذا الحد ينبغي أن يكون على الاعتدال بحيث لا يتجاوز الألم من الجلد إلى اللحم . فعلى الإمام أن ينصب للحدود رجلا عالما بصيرا يعقل كيف يضرب . فالرجل يجلد قائما على تجرده ليس عليه إزاره ضربا وسطا لا مبرحا ولا هينا على الأعضاء كلها إلا الوجه والفرج ، والمرأة تجلد قاعدة ولا ينزع من ثيابها إلا الحشو والفرو . والصحيح أن الزنا من الكبائر ولهذا قرنه اللّه تعالى بالشرك وقتل النفس في قوله
وَلا يَزْنُونَ
[ الفرقان : 68 ] وقد وفى فيه عقد المائة بكماله بخلاف حدّ القذف وشرب الخمر وشرع فيه الرجم الذي هو أشنع أنواع القتل ، ونهى المؤمنين عن الرأفة بهما وأمر بشهود طائفة للتشهير .
وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم « اتقوا الزنا فإن فيه ست خصال : ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة . فأما التي في الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر وينقص العمر ، وأما التي في الآخرة فيوجب السخطة وسوء الحساب والخلود في النار » .
واعلم أن البحث في هذه الآية يقع عن أمور أحدها عن ماهية الزنا ، وثانيها عن أحكام الزنا ، وثالثها في الشرائط المعتبرة في كون الزنا موجبا لتلك الأحكام ، ورابعها في الطريق الذي به يعرف حصول الزنا ، وخامسها عن كيفية إقامة هذا الحد الأول . قد حده علماء الشافعية بأنه عبارة عن إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعا محرم شرعا . قالوا : فيدخل فيه اللواطة لأنها مثل الزنا صورة وذلك ظاهر لحصول معنى الانفراج في الدبر أيضا ، ومعنى لأنهما يشتركان في المعاني المتعلقة بالشهوة من الحرارة واللين وضيق المدخل ، ولذلك لا يفرق أهل الطبائع بين المحلين . والأكثرون على أن اللواط لا يدخل تحت الزنا للعرف ولهذا ، لو حلف لا يزني فلاط أو بالعكس لم يحنث ، ولأن الصحابة اختلفوا في حكم اللواط مع كونهم عالمين باللغة . وما
روى عن أبي موسى الأشعري أنه صلى اللّه عليه وسلم قال « إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان »
محمول على اشتراكهما في الإثم بدليل
قوله أيضا « إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان »
وقوله « اليدان تزنيان والعينان تزنيان » « 1 »
والقياس المذكور بعيد لأنه لا يلزم من تسمية القبل فرجا لانفراجه أن يسمى كل منفرج كالفم والعين فرجا .
واعلم أن للشافعي في اللائط قولين أصحهما أن عليه حد الزنا إن كان محصنا فيرجم ، وإن لم يكن محصنا فيجلد ويغرب . والثاني قتل الفاعل والمفعول . والقتل إما بهجز الرقبة كالمرتد ، أو بالرجم وهو قول مالك وأحمد وإسحاق ، أو بالهدم عليه . ويروى عن أبيّ : أو بالرمي من شاهق .
ويروى عن علي رضي اللّه عنه وذلك أن قوم لوط عذبوا كل هذه الوجوه
هامش
( 1 ) رواه أحمد في مسنده ( 2 / 342 ، 344 ) .