إضمار اللام والفاء للتعليل
مُغْرَقُونَ
ه
الظَّالِمِينَ
ه
الْمُنْزِلِينَ
ه
لَمُبْتَلِينَ
ه .
التفسير :
لما انجر الكلام في السورة المتقدمة إلى الختم بالصلاة والزكاة بدأ في هذه السورة بذكر فضائلهما وفضائل ما ينخرط في سلكهما من مكارم الأخلاق ومحاسن العادات . « وقد » نقيضة « لما » لأنها تثبت المتوقع و « لما » تنفيه ، ولا شك أن المؤمنين كانوا متوقعين لمثل هذه البشارة وهي إخبار بثبوت الفلاح لهم . وقد مر معنى الإيمان والاختلاف فيه بين الأقوام في أول « البقرة » . وأما الخشوع فمنهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف والرهبة ، ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون ، وترك الالتفات ، والنظر إلى موضع السجود ، والتوقي عن كف الثوب أي جمعه ، والعبث بجسده وثيابه ، والتمطي والتثاؤب والتغميض وتغطية الفم ، والسدل بأن يضع وسط الثوب على رأسه أو على عاتقه ويرسل طرفيه ، والاحتراز عن الفرقعة والتشبيك وتقليب الحصى ، والاختصار وهو أن يمسك بيده عصا أو سوطا ونحوهما .
قال الحسن وابن سيرين : كان المسلمون يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يفعل ذلك ، فلما نزلت هذه الآية طأطأ وكان لا يجاوز بصره مصلاه ،
وهذا الخشوع واجب عند المحققين . نقل الإمام الغزالي عن أبي طالب المكي عن بشر الحافي : من لم يخشع فسدت صلاته . وعن الحسن : كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع . وعن معاذ بن جبل : من عرف من على يمينه وشماله متعمدا وهو في الصلاة فلا صلاة له . وروي عنه مرفوعا : إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له سدسها وعشرها وإنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها . وادعى عبد الواحد بن زيد إجماع العلماء على أنه ليس للعبد إلا ما عقل من صلاته . ومما يدل على صحة هذا القول قوله سبحانه
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ
[ النساء : 82 ] والتدبر لا يتصوّر بدون الوقوف على المعنى ، وكذا قوله
وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي
[ طه : 14 ] والغفلة تضاد الذكر ولهذا قال
وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ
[ الأعراف : 205 ] وقوله
حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ
[ النساء : 43 ] نهي للسكران إلا أن المستغرق في هموم الدنيا بمنزلته .
وقوله صلى اللّه عليه وسلم « المصلي يناجي ربه »
ولا مناجاة مع الغفلة أصلا بخلاف سائر أركان الإسلام فإن المقصود منها يحصل مع الغفلة ، فإن الغرض من الزكاة كسر الحرص وإغناء الفقير ، وكذا الصوم قاهر للقوي كاسر لسطوة النفس التي هي عدوّ اللّه ، وكذا الحج فإن أفعاله شاقة وفيه من المجاهدة ما يحصل به الابتلاء وإن لم يكن القلب حاضرا . والمتكلمون أيضا اتفقوا على أنه لا بد من الحضور والخشوع قالوا : لأن السجود للّه تعالى طاعة ، وللصنم كفر ، وكل واحد منهما يماثل الآخر في ذاته ولوازمه ، فلا بد من مميز وما ذاك إلا القصد والإرادة ولا بد فيهما من الحضور .