تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 571

مساهمون:

ص٥٧١
لبثنا في الآخرة كعشرة أيام . فقال أعقلهم : بل كاليوم الواحد . وإنما قال :
عَشْراً
لأن المراد عشر ليال . وقال مقاتل : أراد عشر ساعات أي بعض يوم . وعلى هذا فأفضلهم رد عليهم استقصارهم وتقالهم . وقيل : المراد لبثهم في القبور . قال أهل النظم : كأن سائلا سأل : كيف يصح التخافت بين المجرمين والجبال حائلة مانعة ؟ فلذلك قال :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ
وقال الضحاك : إن مشركي مكة قالوا على سبيل الاستهزاء : يا محمد كيف يكون حال الجبال يوم القيامة ؟ فنزلت . ويحتمل أن يكون هذا جواب شبهة تمسك بها منكرو البعث - منهم جالينوس - زعم أن الأفلاك لا تفنى لأنها لو فنيت لابتدأت بالنقصان حتى تنتهي إلى البطلان ، وكذا الجبال وغيرها من الأجرام الكلية ، فأمر اللّه نبيه صلى اللّه عليه وسلم أن يبين لهم هذه المسألة الأصولية من غير تأخير ولهذا أدخل فاء التعقيب في الجواب . والنسف القلع . وقال الخليل : التطيير والإذهاب كأنه يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها . وحاصل الجواب أن كل بطلان لا يلزم أن يكون ذبوليا بل قد يكون رفعيا . والضمير في
فَيَذَرُها
للمضاف المحذوف أي فيدع مقارها ومراكزها وهو للأرض للعلم بها كقوله :
ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها
[ فاطر : 45 ] والقاع المستوي من الأرض . وقيل : المكان المطمئن . وقيل : مستنقع الماء . والصفصف الأرض الملساء المستوية . وقيل : التي لا نبات فيها . والأمت النتوّ اليسير . وقيل : التلال الصغار . قالوا : العوج بالكسر في المعاني وكأنه سبحانه نفى العوج الذي يدق عن الإحساس ولا يدرك إلا بالقياس الهندسي ، وإذا كان هذا النوع من العوج الاعتباري منتفيا فكيف بالعوج الحسي ! وقد يستدل بالآية على أن الأرض يومئذ تكون كرة حقيقة إذ لو كانت مضلعة وقعت بين الأضلاع فصول مشتركة فيعوج الامتداد القائم عليها هناك . ثم إنه تعالى وصف ذلك اليوم بأن الخلائق فيه
يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ
قيل : هو النفخ في الصور . وقوله :
لا عِوَجَ لَهُ
أي لا يعدل عن أحد بدعائه بل يحشر الكل . وقيل : إن إسرافيل أو ملكا آخر يقوم على صخرة بيت المقدس ينادي : أيها العظام النخرة والأوصال المتفرقة واللحوم المتمزقة ، قومي إلى ربك للحساب والجزاء فلا يعوج له مدعوّ بل يتبعون صوته من غير انحراف .
وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ
خفضت من شدة الفزع
فَلا تَسْمَعُ
أيها السامع
إِلَّا هَمْساً
وهو الصوت الخفي . وذلك أن الجن والإنس علموا أن لا مالك لهم سواه ، وحق لمن كان اللّه محاسبه أن يخشع طرفه ويضعف صوته ويختلط قوله ويطول غمه . وعن ابن عباس والحسن وعكرمة وابن زيد الهمس وطء الأقدام إلى المحشر . قوله :
إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ
يصلح أن يكون « من » منتصبا على
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 571 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات