تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 509

مساهمون:

ص٥٠٩
نجائب سروجها ياقوت » . وخص المجرمون بالسوق إلى جهنم وردا أي وهم الذين يردون الماء ، وفيه من الإهانة ما فيه كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء . وقال جار اللّه : حقيقة الورد المسير إلى الماء فسمي به الواردون . قال بعض العلماء : في الآية دلالة على أن أهوال يوم القيامة تختص بالمجرمين لأن المتقين من الابتداء يحشرون على هذا النوع من الكرامة فكيف ينالهم بعد ذلك شدة ؟ قلت : يحتمل أن يكون الحشر إلى الرحمن غير الحشر إلى الموقف ، فيراد بالحشر إلى الرحمن أي إلى دار كرامته وسوقهم إلى الجنة لقوله :
وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً
[ الزمر : 73 ] وهذا بعد امتياز الفريقين ، فالأمن الكلي فيما بعد هذه الحالة لا ينافي الخوف والدهشة فيما قبلها كما ورد في حديث الشفاعة وغيره . وقوله :
إِلَى الرَّحْمنِ
دون أن يقول إلينا من وضع الظاهر موضع المضمر ، وفيه من البشارة ما فيه . ولا يلزم منه التجسم للتأويل الذي ذكرناه ، والضمير في
لا يَمْلِكُونَ
للمكلفين المذكورين بقسمهم وفاعله
مَنِ اتَّخَذَ
على البدلية لأنه في معنى الجمع . ويجوز أن تكون الواو علامة للجمع كالتي في « أكلوني البراغيث » فيكون
مَنِ اتَّخَذَ
فاعلا والاستثناء مفرغا . ويجوز أن ينتصب
مَنِ اتَّخَذَ
على الاستثناء أو على تقدير حذف المضاف أي إلا شفاعة . من اتخذه واختلف المفسرون في الشفاعة فقيل : لا يملكون أن يشفعوا لغيرهم . وقيل : لا يملك غيرهم أن يشفعوا لهم . واتخاذ العهد الاستظهار بالأيمان والعمل ، أو بكلمة الشهادة وحدها والأول يناسب أصول المعتزلة ، والثاني يناسب أصول الأشاعرة . وعن ابن مسعود أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لأصحابه ذات يوم : « أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند اللّه عهدا قالوا : وكيف ذلك ؟ قال : يقول كل صباح ومساء : اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة ، إني أعهد إليك في هذه الحياة بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك له وأن محمدا عبدك ورسولك فلا تكلني إلى نفسي فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير ، وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهدا توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد ، فإذا قال ذلك طبع عليه بطابع ووضع تحت العرش ، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد : أين الذين لهم عند الرحمن عهد فيدخلون الجنة » « 1 » ويجوز أن يكون من عهد الأمير إلى فلان بكذا إذا أمره به أي لا يشفع إلا المأمور بالشفاعة المأذون له فيها كقوله :
وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ
[ النجم : 26 ] .
هامش
( 1 ) رواه أحمد في مسنده ( 1 / 412 ) ( 5 / 191 ) .