تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 480

مساهمون:

ص٤٨٠
الذي هو تحتها أو إنسان تحتها يعني جبريل بناء على أنه كان يقبل الولد كالقابلة ، أو أراد أسفل من مكانها لأن مريم كانت أقرب إلى الشجرة منه ، أو كان جبريل تحت الأكمة وهي فوقها فصاح بها لا تحزني . وعن الحسن وسعيد بن جبير أن المراد به عيسى لأن ذكر عيسى أقرب ، ولأن موضع اللوث لا يليق بالملك ، ولأن الصلة يجب أن تكون معلومة للسامع والذي علم كونه حاصلا تحتها هو الولد ويجري القولان فيمن قرأ بكسر الميم . وعن عكرمة وقتادة أن الضمير في تحتها للنخلة . قوله :
سَرِيًّا
جمهور المفسرين على أن السريّ هو الجدول . وروي ذلك عن النبي صلى اللّه عليه وسلم سمي بذلك لأن الماء يسري فيه . وقيل : هو من السر ومعناه سخاء في مروءة : ويقال : فلان من سروات قومه أي من أشرافهم . وجمع السري سراة وجمع سراة سروات . عن الحسن : كان واللّه عبدا سريا حجة هذا القائل أن النهر لا يكون تحتها بل إلى جنبها ولا يمكن أن يقال : المراد أن النهر تحت أمرها يجري بأمرها ويقف بأمرها كما في قوله :
وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي
[ الزخرف : 51 ] لأنه خلاف الظاهر . وأجيب بأن المكان المستوي إذا كان فيه مبدأ معين فكل من كان أقرب منه كان فوق ، وكل من كان أبعد منه كان تحت . وأراد أن النهر تحت الأكمة وهي فوقها . وأيضا حمل السري على النهر موافق قوله :
وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ
[ المؤمنون : 50 ] وقوله :
فَكُلِي وَاشْرَبِي
يروى أن جبريل ضرب برجله فظهر ماء عذب . وقيل : كان هناك ماء جار ، والأول أقرب لأن قوله
قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ
مشعر بالأحداث في ذلك الوقت . قال القفال : الجذع من النخلة هو الأسفل وما دون الرأس الذي عليه الثمرة . وقال قطرب : كل خشبة في أصل شجرة هي جذع ، والباء في قوله :
بِجِذْعِ النَّخْلَةِ
كالزائد لأن العرب تقول هزة وهز به والمعنى حركي جذع النخلة أو افعلي الهز به . و
رُطَباً
تمييز ومفعول تساقط على حسب القراءات اللازمة والمتعدية . وعن الأخفش المراد جواز انتصابه ب
هُزِّي
أي هزي إليك رطبا جنيا بجذع النخلة أي على جذعها . والجني المأخوذ طريا . والظاهر أنه ما أثمر إلا الرطب وقد صار نخلا . وقيل : إنه كان على حاله وإنه أثمر مع الرطب غيره . قالوا : إذا عسر ولادة المرأة لم يكن لها خير من الرطب ، والتمر للنفساء عادة من ذلك الوقت وكذا التحنيك . والمراد أنه جمع لها فائدتان في السري والرطب : إحداهما الأكل والشرب وقدم الأكل مع أن ذكر السري مقدم لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء لكثرة ما سال من الدماء ، والثانية سلوة الصدر لكونهما معجزين لزكريا أو إرهاصا لعيسى أو كرامتين لمريم وأشار إلى هذه بقوله :
وَقَرِّي عَيْناً
لأن قرّة العين تلزم قوة القلب والتسلي من الهموم والأحزان .