وقيل : في مشربة للاغتسال من الحيض محتجبة بحائط أو شيء يسترها . وقيل : كانت في منزل زوج أختها زكريا ولها محراب على حدة تسكنه ، وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها بابها فتمنت أن تجد خلوة في الجبل لتفلي رأسها ، فانفجر السقف لها فخرجت وجلست في المشرفة وراء الجبل فأتاها الملك وذلك قوله :
فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا
يعني جبرائيل لأن الدين يحيا به وبوحيه ، والإضافة للتشريف والتسمية مجاز كما تقول لمن تحبه إنه روحي
فَتَمَثَّلَ لَها
حال كونه
بَشَراً سَوِيًّا
تام الخلق أو حسن الصورة . وإنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه ، وتدرع الروحاني كجبريل مثلا تارة بالهيكل العظيم وأخرى بالصغير غير مستبعد ، والذين اعتقدوا أن جبرائيل جسماني جوزوا أن يكون له أجزاء أصلية قليلة وأجزاء فاضلة ، فبتلك الأجزاء الأصلية يكون متمكنا من التشبه بصورة الإنسان ، ولندرة أمثال هذه الأمور لا يلزم منها قدح في العلوم العادية المستندة إلى الإحساس . فلا يلزم الشك في أن زيدا الذي نشاهده الآن هو الذي شاهدناه بالأمس . قوله :
إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
أي إن كان يرجى منك أن تتقي اللّه وترجع بالاستعاذة به فإني عائذة به منك . وقيل : إنه كان في ذلك العصر إنسان فاجر اسمه تقي وكان يتتبع النساء فظنت أن ذلك المتمثل هو ذلك الشخص فاستعاذت باللّه . وقيل : « إن » نافية أي ما كنت تقيا حين استحللت النظر إلي وخلوت بي . وحين علم جبريل خوفها
قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ
أرسلني
لِأَهَبَ لَكِ
أو ليهب لك
غُلاماً زَكِيًّا
طاهرا من الذنوب ينمو على النزاهة والعفة . وكيف زال خوفها بمجرد القيل ؟ احتمل أن يكون قد ظهر لها معجزة من جهة زكريا أو إرهاصا لعيسى أو إلهاما من اللّه سبحانه . وهل تقدر الملائكة على تركيب الأجزاء وخلق الحياة والنطق حتى صح قول جبرائيل
لِأَهَبَ لَكِ
؟ قال : اجتمعت الأمة على أن لا قدرة للأجسام على إيجاد الجواهر وإعدامها وإلا فلا استبعاد في تأثير بعض الأجسام في بعضها الخاصية خصها اللّه بها . ووجه صحة هذه القراءة أن جبرائيل صار سببا في الهبة بالنفخ في الدرع .
قالَتْ
استغرابا من حيث العادة لا تشكيكا في قدرة اللّه
أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ
ولم تقل هاهنا « رب » إما لأنها تخاطب جبرائيل ، وإما اكتفاء بما سلف في آل عمران
وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا
هي الفاجرة التي تبغي الرجال . عن المبرد أن أصله يغوى على « فعول » قلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء وكسرت الغين للمناسبة . عن ابن جنى أنه « فعيل » وإلا لقيل بغو كنهو عن المنكر خصصت بعد ما عممت لزيادة الاعتبار بهذا الخزي تبرئة لساحتها عن الفحشاء . ولما جرى في أول القصة من تمثل جبرائيل لها بصورة البشر