تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
85 ] فنزلت هذه الآية . يعنى أن ذلك خير كثير ولكنه قطرة من بحر كلمات اللّه . قالت الأشاعرة : إن كلام اللّه تعالى واحد . واعترض عليهم بهذه الآية فإنها صريحة في إثبات كلمات كثيرة للّه تعالى . وأجيب بأن المراد من الكلمات متعلقات علم اللّه تعالى . وزعم الجبائي أن قوله :
قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي
يدل على أن كلمات اللّه قد تنفد بالجملة وما ثبت عدمه امتنع قدمه . وأجيب بأن المراد الألفاظ الدالة على تعلقات تلك الصفة الأزلية . قلت : الإنصاف أن نفاد شيء قبل نفاد شيء آخر لا يدل على نفاد الشيء الآخر ولا على عدم نفاده ، فلا يستفاد من الآية إلا كثرة كلمات اللّه بحيث لا يضبطها عقول البشر . أما أنها متناهية أو غير متناهية فلا دليل في الآية على أحد النقيضين ، ولكن الحق في نفس الأمر أن كلمات اللّه لا تتناهى لأنها تابعة لمعلوماته وهي غير متناهية بالبرهان ، ثم أمر نبيه صلى اللّه عليه وسلم أن يسلك سبيل التواضع وهو أن حاله مقصور على البشرية لا يتخطاها إلى الملكية إلا أنه امتاز بنعت الإيحاء إليه وكفى به بونا ومباينة . ثم بين أن الموحى هو
أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
. وفي تخصيص هذا الوحي بالذكر فائدة هي أن يستدل به على صدقه ، فإن من علامات صدق مدعي النبوة أن يدعو إلى التوحيد ، ثم أن يدعو إلى العمل الصالح المقترن بالإخلاص وذلك قوله :
فَمَنْ كانَ يَرْجُوا
أي يأمل حسن لقائه أو يخاف سوء لقائه . واللقاء بمعنى الرؤية عند الأشاعرة وبمعنى لقاء الثواب أو العقاب عند المعتزلة
فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً
قال المفسرون : النهي عن الإشراك بالعبادة هو أن لا يرائي بعمله ولا يبغي به إلا وجه ربه . يروى أن جندب بن زهير قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إني أعمل العمل للّه فإذا اطلع عليه سرني فقال : إن اللّه لا يقبل ما شورك فيه . وروي أنه قال : لك أجران أجر السر وأجر العلانية . قال العلماء : الرواية الأولى محمولة على ما إذا قصد بعمله الرياء والسمعة . والرواية الثانية محمولة على ما إذا قصد أن يقتدي به . قال في الكشاف : عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من قرأ سورة الكهف من آخرها كانت له نورا من قرنه إلى قدمه . ومن قرأها كلها كانت له نورا من الأرض إلى السماء » . وعنه صلى اللّه عليه وسلم : من قرأ عند مضجعه
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
كان له من مضجعه نورا يتلألأ إلى مكة ، حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم وإن كان مضجعه بمكة بمكة كان له نورا يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستيقظ » .

التأويل :

لما بين لإنسان كمالا مكنونا وكنزا مدفونا يمكن له تحصيله بالتربية