تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
فيه : عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن ، وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب ، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح ، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل ، وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها كيف يطمئن إليها ، لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه . وفي قوله :
وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً
دلالة على أن صلاح الآباء يفيد العناية بأحوال الأبناء . عن جعفر بن محمد رضي اللّه عنه : كان بين الغلامين وبين الأب الذي حفظا فيه سبعة آباء ، وذكر من صلاح أبيهما أن الناس كانوا يضعون الودائع عنده فيردها إليهم سالمة . قالت العلماء : الأشبه أن اليتيمين كانا جاهلين بحال الكنز ووصيهما كان عالما به إلا أنه غائب وقد أشرف الجدار على السقوط و
رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ
مصدر منصوب بأراد لأنه في معنى رحمهما أو مفعول له
وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي
أي اجتهادي ورأيي وإنما فعلته بأمر اللّه . سؤال : لم قال في الأول :
فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها
وفي الثاني :
فَأَرَدْنا
وفي الثالث
فَأَرادَ رَبُّكَ
؟ الجواب : لأن الأول إفساد في الظاهر فأسنده إلى نفسه ، وفي الثالث إنعام محض فأسنده إلى اللّه سبحانه ، وفي الثاني إفساد من حيث القتل وإنعام من حيث التبديل فجمع بين الأمرين . ويمكن أن يقال : إن القتل كان منه ولكن إزهاق الروح كان من اللّه ، ويحتمل أن يقال : الوحدة في الأول على الأصل ، والجمع في الثاني تنبيه على أنه من العلماء المؤيدين بالعلوم الدينية ، والإسناد إلى اللّه بالآخرة إشارة إلى أنه لا إرادة إلا إرادة اللّه وما تشاءون إلا أن يشاء اللّه
ذلِكَ
الذي ذكر من أسرار تلك الوقائع
تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً
أي يرجع المقصود من تلك الأفاعيل إلى ما قررنا ، وأصل تسطع تستطيع كما في قوله :
سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ
إلا أن التاء حذفت لأجل التخفيف . وهذا شاذ من جهة القياس ولكنه ليس بشاذ في الاستعمال . عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « رحم اللّه أخي موسى لو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب » « 1 » .

التأويل :

وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ
فيه أن المسافر لا بد له في الطريق من الرفيق ، وفيه أن من شرطهما أن يكون أحدهما أميرا والآخر مأمورا ، وأن يعلم الرفيق عزيمته ومقصده حتى يكون على بصيرة من صحبته ، وأن لا يسأم من متاعب السفر حتى يظفر بمقصوده ، وأن تكون نيته طلب شيخ يقتدي به فإن طلب الشيخ في الحقيقة هو طلب الحق . ومجمع البحرين هو مجمع ولاية الشيخ وولاية المريد وعنده عين الحياة الحقيقية ، فإذا وقعت قطرة منها على حوت قلب المريد حيي واتخذ سبيله في بحر الولاية سربا .
هامش
( 1 ) رواه الترمذي في كتاب تفسير سورة 18 باب : 1 . البخاري في كتاب الأنبياء باب : 27 ، 28 . أحمد في مسنده ( 1 / 411 ، 436 ) .