والتوبيخ ، وعورض بالعلم والداعي كما مر مرارا . قال أهل التحقيق : إن الداعي لكفار قريش إلى ترك دين محمد صلى اللّه عليه وسلم هو النخوة والعجب والترفع والتكبر ، وهذا شأن إبليس ومن تابعه . فكل من كان غرضه من العلم أو العمل الفخر على الأقران والترفع على أبناء الزمان فإنه مقتد بإبليس وذريته وهذا مقام صعب نسأل اللّه الخلاص منه . ثم دل على فساد عقيدة أهل الشرك وبطلان طريقتهم بقوله :
ما أَشْهَدْتُهُمْ
فالأكثرون على أن الضمير للشركاء والمراد أنهم لو كانوا شركاء لي في خلق السماوات والأرض وفي خلق أنفسهم يعني لو كان بعضهم شاهدين خلق بعض مشاركين لي فيه كقوله :
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
لأمكن أن يكونوا شركاء لي في العبادة لكن الملزوم المساوي منتف فاللازم مثله يؤيد هذا التفسير قوله :
وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ
أي متخذهم
عَضُداً
أعوانا فوضع المضلين موضع الضمير نعيا عليهم بالإضلال . وقيل : الضمير للمشركين الذي التمسوا طرد فقراء المؤمنين ، والمراد أنهم ما كانوا شركائي في تدبير العالم بدليل أني ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما اعتضدت بهم في تدبير الدنيا والآخرة ، بل هم قوم كسائر الخلق نظيره أن من اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنك تقول له : لست سلطان البلد ولا مدبر المملكة حتى تقبل منك كل اقتراحاتك . وقيل : أراد أن هؤلاء الظالمين جاهلون بما جرى به القلم في الأزل من أحوال السعادة وضدّها لأنهم لم يكونوا شاهدين خلق العالم ، فكيف يمكنهم أن يحكموا بحسن حالهم عند اللّه وبشرفهم ورفعتهم عند الخلق وبأضداد هذه الأحوال للفقراء . ومن قرأ
وَما كُنْتُ
بفتح التاء فالخطاب للرسول صلى اللّه عليه وسلم والمعنى وما صح لك الاعتضاد بهم وما ينبغي لك أن تغترّ بهم . ثم عاد إلى تهويلهم بأحوال يوم القيامة وأضاف الشركاء إلى نفسه على معتقدهم توبيخا لهم وفحوى الكلام : اذكر يا محمد أحوالهم وأحوال آلهتهم يوم القيامة إذ
يَقُولُ
اللّه لهم
نادُوا
أي ادعوا من زعمتم أنهم
شُرَكائِيَ
فأهلتموهم للعبادة . قال المفسرون : أراد الجن
فَدَعَوْهُمْ
لم يذكر في هذه الآية أنهم كيف دعوا تلك الشركاء ولعل المراد بما في الآية الأخرى
إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا
[ إبراهيم : 21 ]
فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ
ولم يدفعوا عنهم ضررا
وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً
. عن الحسن
مَوْبِقاً
عداوة والمعنى عداوة هي في شدتها الهلاك كقولهم « لا يكن حبك كلفا ولا بغضك تلفا » .
وقال الفراء : البين الوصل والمراد جعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكا يوم القيامة . وفي الكشاف : الموبق المهلك وهو مصدر كالمورد أي جعلنا بينهم واديا من أودية جهنم مشتركا هو مكان الهلاك والعذاب الشديد يهلكون فيه جميعا . وجوز أن يريد بالشركاء