تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 428

مساهمون:

ص٤٢٨
الحق وشغلوا عن الخلق ، والأغنياء قد أعرضوا عن المولى وأقبلوا على الدنيا فوقعوا في ظلمة الهوى وبقوا في تيه الجهل والعمى . وإنما لم يجز طرد الفقراء لأجل إيمان الأغنياء لأن إيمان من ترك الإيمان احترازا من مجالسة الفقراء كلا إيمان فوجب أن لا يلتفت إليه . ثم بين أن الحق ما هو ومن أين هو قائلا
وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ
أي الدين الحق حصل ووجد من عند اللّه ، ويحتمل أن يراد بالحق الصبر مع الفقراء . وقال في الكشاف : الحق خبر مبتدأ محذوف والمعنى جاء الحق وزاحت العلل فلم يبق إلا اختيار الإيمان أو الكفر ، وفيه دليل على أن الإيمان والكفر والطاعة والمعصية كلها مفوّضة إلى مشيئة العبد واختياره . وحمله الأشاعرة على أمر التهديد وقالوا : إن الفعل الاختياري يمتنع حصوله بدون القصد إليه ، ثم ذلك القصد لا بد أن يقع بالاختيار والقصد فنقل الكلام إليه ولا يتسلسل فلا بد أن ينتهي إلى قصد واختيار يخلقه اللّه فيه . فالإنسان مضطر في صورة مختار وفي صورة هذا التخيير دلالة على أنه سبحانه لا ينتفع بإيمان المؤمنين ولا يستضر بكفر الكافرين . ثم بين وعيد الظالمين الذين وضعوا الكفر موضع الإيمان وتحقير المؤمنين لأجل فقرهم مكان تعظيمهم لأجل إيمانهم فقال :
إِنَّا أَعْتَدْنا
أي أعددنا وهيأنا
لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها
وهو الحجرة التي تكون حول الفسطاط فأثبت تعالى للنار شيئا شبيها بذلك يحيط بهم من جميع الجهات ، والمراد أنه لا مخلص لهم منها ولا فرج . وقيل : هو حائط من نار يطبق بهم . وقيل : هو دخان محيط بالكفار قبل دخولهم النار وهو المراد بقوله
انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ
[ المرسلات : 30 ] وقوله :
يُغاثُوا بِماءٍ
وارد على سبيل التهكم كقولهم « عتابك السيف » . والمهل كل ما أذيب من المعدنيات كالذهب والفضة والنحاس قاله أبو عبيدة والأخفش . وقيل في حديث مرفوع إنه درديّ الزيت . وقيل : الصديد والقيح أو ضرب من القطران . وهذه الاستغاثة إما لطلب الشراب كقوله : تسقى في عين آنية [ الغاشية : 5 ] وإما لدفع الحر ولأجل التبريد كقوله حكاية عنهم
أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ
[ الأعراف : 50 ] ويروى أنهم إذا استغاثوا من حر جهنم صب عليهم القطران الذي يعم كل أبدانهم كالقميص ، وقد يفسر بهذا قوله :
سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ
[ إبراهيم : 50 ] عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « هو - يعني المهل - كعكر الزيت إذا قرب إليه سقطت فروة وجهه » « 1 » وهذا معنى قوله :
يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ
ذلك لأن المقصود من الشراب إراحة الأحشاء وهذا يحرقها ويشويها
وَساءَتْ
هامش
( 1 ) رواه الترمذي في كتاب جهنم باب 4 ، كتاب تفسير سورة 70 . أحمد في مسنده ( 3 / 71 ) ، ( 5 / 265 ) .