تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 381

مساهمون:

ص٣٨١
ممكنة بل حاصلة فما المانع من معرفة الروح . ومنها أن هذه المسألة تعرفها الفلاسفة والمتكلمون فكيف يليق بالنبي صلى اللّه عليه وسلم أن يقول إني لا أعرفها مع وفور علمه وكمال معرفته ؟ وكيف يصح ما روي عن ابن أبي بريدة لقد مضى النبي صلى اللّه عليه وسلم وما يعلم الروح . ومنها أن جعل الحكاية دليلا على النبوة غير معقول . ونحن نتقصى عن المسألة فنقول : السؤال عن الروح إما أن يكون عن حقيقته أو عن حال من أحواله ككونه متحيزا أو غير متحيز ، أو قديما أو حادثا أو باقيا بعد البدن أو فانيا ، وعلى تقدير البقاء ما سعادته وشقاوته . وبالجملة فالمباحث المتعلقة بالروح كثيرة . وقوله تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ
ليس فيه ما يدل على تعيين شيء من هذه المسائل ، فالأولى أن يحمل السؤال على السؤال عن الحقيقة لأن معرفة حقيقة النبي أهم وأقدم من معرفة حال من أحواله ، فيكون قوله :
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
رمز إلى أن الروح جوهر بسيط مجرد حصل بمجرد الأمر وهو قوله :
كُنْ فَيَكُونُ
[ يس : 82 ] لأن الآية دلت على أن الروح من أمر الرب . وقال في آخر سورة يس
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
[ يس : 82 ] ينتج أن الروح إذا أراده فإنما يقول له كن فيكون ، ومنه يعلم أنه شيء مغاير للأجسام المتوقعة على المادة والمدة وللأعراض الموقوفة على الأجسام ، وأنه بسيط محض وإلا لتوقف على انضمام أجزائه . ولا يلزم من كون الروح كذلك كونه مشاركا للباري تعالى في الحقيقة ، فإن الاشتراك في اللوازم لا يقتضي الاشتراك في الملزومات . وليس في الآية دلالة على حدوث الروح إلا بحسب الذات ، بل لمستدل أن يستدل بها على قدمه بالزمان إذا لو كان متوقفا على الزمان لم يكن حاصلا بمجرد الأمر والمفروض خلافه . ولما كان أمر الروح مشتبها على الناس كلهم أو جلهم ختم الآية بقوله :
وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
وذلك أن الإنسان وإن كمل علمه وكثرت معرفته بحقائق الأشياء ودقائقها فإن ما علم يكون أقل مما لم يعلم ، فإذا نسب معلومه إلى معلومات اللّه المشار إليها بقوله :
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ
[ لقمان : 27 ]
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي
[ الكهف : 109 ] كان كلا شيء فإنه لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي أصلا . وقال بعض المفسرين : هو خطاب لليهود خاصة لأنهم قالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم : قد أوتينا التوراة وفيها الحكمة وقد تلوت :
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
[ البقرة : 269 ] فقيل لهم : إن علم التوراة قليل في جنب علم اللّه . وذكر الإمام فخر الدين الرازي أن قوله :
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
يدل على أن الروح حادث