تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
وأكابرهم . وأنما ختم الآية بقوله :
وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً
ليعلم أن التفضيل ليس بالمال والملك وإنما هو بالعلم والدين فإن داود كان ملكا عظيما ولم يذكره اللّه سبحانه إلا بمزية إيتاء الكتاب . وفيه أيضا إشارة إلى أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم خاتم الأنبياء وأمته خير الأمم بدليل قوله :
وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ
[ الأنبياء : 105 ] أي محمد وأمته . ومعنى التنكير في « زبور » أنه كامل في كونه كتابا . والزبور وزبور كالعباس وعباس والحسن وحسن ، أو المراد بعض الزبر أو الزبور كما يسمى بعض القرآن قرآنا . وقيل : إن كفار قريش ما كانوا أهل نظر وجدال بل كانوا يرجعون إلى اليهود في استخراج الشبهات ، وكانت اليهود تقول : إنه لا نبي بعد موسى ولا كتاب بعد التوراة ، فنقض اللّه كلامهم بإنزال الزبور على داود بعد موسى . ثم رد على طائفة من المشركين كانوا يعبدون تماثيل على أنها صور الملائكة ، أو على طائفة من أهل الكتاب كانوا يقولون بإلهية عيسى ومريم وعزير فقال :
قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ
وقيل : أراد بالذين زعمتم نفرا من الجن عبدهم ناس من العرب ثم أسلم الجن ولم يشعروا . وإنما خصصت الآية بإحدى هؤلاء الطوائف لأن قوله بعد ذلك
يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ
لا يليق بالجمادات . قال ابن عباس : كل موضع في كتاب اللّه ورد فيه لفظ الزعم فهو بمعنى الكذب . وتقرير الرد أن المعبود الحق هو الذي قدر على إزالة الضر وتحويله من حال إلى حال أو مكان إلى مكان ، وهذه التي زعمتم أنها آلهية لا تقدر على شيء من ذلك فوجب القطع بأنها ليست بآلهة . سؤال : ما الدليل على أن الملائكة لا قدرة لها على كشف الضر ؟ فإن قلتم لأنا نرى أولئك الكفار كانوا يتضرعون إليها ولا تحصل الإجابة قلنا : إن المسلمين أيضا يتضرعون إلى اللّه ولا يجابون ، وبتقدير الإجابة في بعض الأوقات فالكفار أيضا يحصل مطلوبهم أحيانا فيقولون إنه من الملائكة . جوابه أن الملائكة مقرّون بأن الإله الأعظم خالق العالم ، فكمال قدرته معلوم متفق عليه وكمال قدرة الملائكة غير معلوم ولا متفق عليه ، بل المتفق عليه أن قدرتهم بالنسبة إلى قدرة اللّه قليلة حقيرة ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الاشتغال بعبادة الإله الأعظم أولى وأجدر أخذا بالمعلوم المتيقن دون المظنون الموهوم . على أن أهل السنة قاطعون بأنه لا تأثير لشيء في الوجود إلا للّه تعالى . يقول مؤلف هذا التفسير : أضعف عباد اللّه تعالى وأحوجهم إليه الحسن بن محمد المشتهر بنظام النيسابوري نظم اللّه أحواله في أولاه وأخراه . رأيت في بعض الكتب مرويا عن أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه : من وقع في ملمة أو طلب كفاية مهم فليسجد في خلوة وليقل في سجدته إلهي أنت الذي قلت :
قُلِ