تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
والأحباب وأهل الموافقة في الدين ، فكيف أظهرت العداوة والبغضاء ؟ ثم أضافوا إلى هذا الكلام التمسك بالتقليد ومتابعة الآباء ، ثم صرحوا بالتوقف والريب في أمره . ومريب من أرابه إذا أوقعه في الريبة ، أو من أراب الرجل إذا كان ذا ريبة وهو من الإسناد المجازي واعلم أن قوله
وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ
بنون الوقاية هاهنا على الأصل ، وأما في سورة إبراهيم فإنما قال : وإنا بغير نون الوقاية لقوله بعده :
تَدْعُونَنا
[ الآية : 9 ] على الجمع فكان اجتماع النونات مستكرها . فأجابهم هو بقوله :
إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ
الآية . وبنى أمره على الفرض والتقدير لأن خطاب المخالف على هذا الوجه أقرب إلى القبول كأنه قال : قدروا أني على بينة
مِنْ رَبِّي
وأني نبي على الحقيقة فمن يمنعني من عذاب اللّه
إِنْ عَصَيْتُهُ
في أوامره
فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ
أي على هذا التقدير تخسرون أعمالي وتبطلونها ، أو فما تزيدونني بما تحملونني عليه إلا أني أنسبكم إلى الخسران وأقول إنكم خاسرون . والمعنى الأول أقرب لأنه كالدلالة على أن متابعتهم لا تزيده إلا خسران الدارين .
وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ
قد مر تفسيره في « الأعراف » . ومعنى
عَذابٌ قَرِيبٌ
عاجل لا يستأخر إلا ثلاثة أيام و
غَيْرُ مَكْذُوبٍ
من باب الاتساع أي غير مكذوب فيه فحذف الحرف . وأجرى الضمير مجرى المفعول به أو من باب المجاز كأن الوعد إذا أوفى به فقد صدق ولم يكذب أو المكذوب مصدر كالمجلود وصف به . قوله :
فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا
بالفاء . وفي قصة هود بالواو ولمكان التعقيب هاهنا بدليل قوله :
عَذابٌ قَرِيبٌ
ومثله في قصة لوط لقوله :
أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ
[ هود : 81 ] وأما في قصة هود فإنه قال :
وَيَسْتَخْلِفُ
بلفظ المستقبل ومثله في قصة شعيب
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ
بحرف التسويف فلم يكن الفاء مناسبا . واعتبر هذا المعنى في سائر المواضع كما في سورة يوسف قال :
وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ
[ الآية : 59 ] بالواو أوّلا لأن التعقيب لم يكن مرادا ثم قال :
فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ
[ الآية : 70 ] لمكان التعقيب واللّه أعلم . قوله :
وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ
معطوف على محذوف والتقدير نجينا صالحا ومن معه من العذاب النازل بقومه ومن الخزي الذي لزمهم ، أو يتعلق بمعطوف محذوف أي ونجيناهم من خزي يومئذ كما قال :
وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ
والمعنيان كما قلنا هناك . والقراءتان في
يَوْمِئِذٍ
لأن الظرف المضاف إلى « إذ » يجوز بناؤه على الفتح ، والتنوين في « إذ » عوض من المضاف إليه أعني الجملة ، والتقدير يوم إذ كان كذا وكسر الذال للساكنين
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ
القادر الغالب فمن قدرته ميز المؤمن من الكافر ، ومن عزته وقهره أهلك الكفار بالصيحة التي سمعوها من جانب السماء إما بواسطة جبرائيل وإما لإحداثها في