تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤
ارتد وكفر به . ومنها أن حديث المعراج الجسماني اشتمل على أشياء بعيدة عن العقل كشق بطنه وتطهيره بماء زمزم وركوب البراق وإيجاب خمسين صلاة ، فإن ذلك يقتضي نسخ الحكم قبل حضور وقته ، وأنه يوجب البداء . أجاب الأكثرون عن الأول بأنه حركة الرسول صلى اللّه عليه وسلم من مكة إلى فوق الفلك الأعظم لم يكن إلّا نصف قطر الفلك ، ونسبة نصف القطر إلى نصف الدور نسبة الواحد إلى ثلاثة أمثال وسبع هي نصف حركة الفلك في يوم بليلته ، وإذا كان الأكثر واقعا فالأقل بالإمكان أولى ، ولو كان القول بمعراج محمد صلى اللّه عليه وسلم في ليلة واحدة ممتنعا لكان القول بنزول جبريل من العرش إلى مكة في لحظة واحدة ممتنعا ، لأن الملائكة أيضا أجسام عند جمهور المسلمين ، وكذا القول في حركات الجن والشياطين وقد سخر اللّه تعالى لسليمان الريح غدوّها شهر ورواحها شهر ، وقد
قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ
[ النمل : 40 ] . وكان عرش بلقيس في أقصى اليمن وسليمان في الشام . وعلى قول من يقول إن الإبصار بخروج الشعاع فإنما ينتقل شعاع العين من البصر إلى الكواكب الثابتة في آن واحد ، فيثبت أن المعراج أمر ممكن في نفسه . أقصى ما في الباب الاستبعاد وخرق العادة ولكنه ليس مخصوصا بهذه الصورة وإنما ذلك أمر حاصل في جميع المعجزات . وعن الثاني أن انخراق الأفلاك عند حكماء الإسلام جائز . وعن الثالث أن فائدة الإسراء قد عادت إليه حيث شاهد العالم العلوي والعرش والكرسي وما فيها وعليها فحصل في قلبه زيادة قوة وطمأنينة ، بها انقطعت تعلقاته عن الكونين ولم يبق مشغول القلب بشيء من أمور الدنيا والآخرة . وعن الرابع أن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد . وعن الخامس أن تلك الرؤيا هي غير حكاية المعراج كما سيجيء في تفسيره ، ولو سلم أنها هي المعراج فالرؤيا بمعنى الرؤية . وعن السادس أنه لا اعتراض على اللّه تعالى في شيء من أفعاله وأنه على كل شيء قدير . واعلم أنه ليس في الآية دلالة على العروج من بيت المقدس إلى السماوات وإلى ما فوق العرش إلّا أنه ورد الحديث به . ومنهم من استدل على ذلك بأول سورة النجم أو بقوله
لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ
[ الانشقاق : 19 ] وتفسيرهما مذكور في موضعه . يروى أنه صلى اللّه عليه وسلم نائما في بيت أم هانئ بعد صلاة العشاء فأسري به ورجع من ليلته وقص القصة على أم هانئ وقال : مثل لي النبيون وصليت بهم . وقام ليخرج إلى المسجد فتشبثت أم هانئ بثوبه فقال : ما لك ؟ قالت : أخشى أن يكذبك قومك إن أخبرتهم قال : وإن كذبوني . فخرج فجلس إليه أبو جهل فأخبره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم