تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
يكون الضرر مشروعا على وجه يقع جزاء عن جرم سابق والآية لا تنافي ذلك لأنها لا تدل إلا على أنه سبحانه لا يؤاخذ بكل ظلم . أما على أنه لا يؤاخذ ببعض أنواع الظلم فلا ، دليله قوله :
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
[ الشورى : 30 ] ومنهم من قال : بناء على القاعدة المذكورة إن كل ما يريده الإنسان وجب أن يكون مشروعا في حقه لأن المنع منه ضرر والضرر غير مشروع ، وكل ما يكرهه الإنسان لزم أن يكون محرما لأن وجوده ضرر وأنه غير مشروع . فالذي يتمسك به في إثبات الأحكام من القياس إما أن يكون على وفق هذه القاعدة أو على خلافها والأول باطل ، لأن هذا الأصل يغني عنه ، وكذا الثاني لأن النص راجح على القياس . ولقائل أن يقول : توارد الأدلة على المدلول الواحد غير ممتنع . أما قوله :
وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
فعن ابن عباس في رواية عطاء أنه يريد أجل القيامة لأن معظم العذاب يوافيهم يومئذ . وقيل : أراد منتهى العمر لأن المشركين يؤاخذون بالذنوب إذا خرجوا من الدنيا ، وباقي الآية قد مر تفسيرها في أوائل سورة الأعراف . واعلم أنه سبحانه قال في هذه السورة
ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ
وفي سورة الملائكة
ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها
[ فاطر : 45 ] فالهاء كناية عن الأرض ولم يتقدم ذكرها هاهنا والعرب تجوّز ذلك في كلمات لحصولها بين يدي كل متكلم وسامع منها الأرض والسماء : « فلان أفضل من عليها وأكرم من تحتها » ، ومنها الغداة « إنها اليوم لباردة » . ومنها الأصابع يقول : « والذي شقهن خمسا من واحدة » يعني الأصابع من اليد . وإنما لم يذكر الظهر في هذه السورة لئلا يلتبس بظهر الدابة فكثيرا ما يستعمل الظهر بمعنى الدابة بخلاف سورة « الملائكة » فإنه قد تقدم ذكر الأرض في قوله :
أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ
[ الآية : 44 ] وفي قوله :
وَلا فِي الْأَرْضِ
[ الآية : 44 ] فلم يكن ملتبسا . ويمكن أن يقال : لما قال هاهنا
بِظُلْمِهِمْ
لم يقل :
عَلى ظَهْرِها
وحين قال هنالك
بِما كَسَبُوا
قال :
عَلى ظَهْرِها
احترازا عن الجمع بين الظاءين لأنها تقل في الكلام وليست لأمة من الأمم سوى العرب ، فلم يجمع بينهما في شرطية واحدة . ثم عاد إلى حكاية كلمتهم الحمقاء فقال :
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ
لأنفسهم من البنات ولا يبعد أن يندرج فيه سائر ما يكرهون من الشركاء في الرئاسة ومن الاستخفاف والتهاون برسلهم ورسالتهم ، وأنهم يجعلون أرذل أموالهم للّه وأكرمها للأصنام . عن بعضهم أنه قال لرجل من ذوي اليسار كيف تكون يوم القيامة إذا قال اللّه تعالى هاتوا ما دفع إلى السلاطين وأعوانهم فيؤتى بالدواب والثياب وأنواع الأموال الفاخرة ، وإذا قال هاتوا ما دفع إليّ فيؤتى بالكسر والخرق