تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً
وقوله :
لَكُمْ
متعلق بأنزل أو بشراب خبرا له . والشراب ما يشرب كالطعام لما يطعم والمراد أن الماء النازل من السماء قسمان : بعضه يبقى لأجل الشرب كما هو ويحتمل أن يكون الماء المحتبس في الآبار والعيون منه كقوله :
فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ
[ المؤمنون : 18 ] وبعضه يحصل منه شجر يرعاه المواشي . قال الزجاج : كل ما ينبت من الأرض فهو شجر لأن التركيب يدل على الاختلاط ومنه تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم بالبعض ، ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ وفيما له ساق . وقال ابن قتيبة : المراد بالشجر في الآية الكلأ . وفي حديث عكرمة : « لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سحت » أراد الكلأ . وقيل : الشجر كل ما له ساق كقوله :
وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ
[ الرحمن : 6 ] والعطف يقتضي التغاير ، فلما كان النجم ما لا ساق له وجب أن يكون الشجر ما له ساق ، وأجيب بأن عطف الجنس على النوع جائز ، وبأن قوله :
فِيهِ تُسِيمُونَ
من سامت الماشية إذا رعت وأسامها صاحبها وهو من السومة العلامة لأنه تؤثر بالرعي علامات في الأرض يقتضي أن يكون الشجر هو العشب ليمكن الرعي . ورد بأن الإبل قد تقدر على رعي الأشجار الكبار . وحين ذكر مرعى الحيوان أتبعه ذكر غذاء الإنسان فقال :
يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ
الذي هو الغذاء الأصلي
وَالزَّيْتُونَ
الذي هو فاكهة من وجه وغذاء من وجه لكثرة ما فيه من الدهن
وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ
اللتين هما أشرف الفواكه . ثم أشار إلى الثمرات بقوله :
وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
كما أجمل الحيوانات التي لم يذكرها بقوله :
وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ
قال في الكشاف : إنما لم يقل و « كل الثمرات » بل زاد « من » التبعيضية لأن كلها لا يكون إلا في الجنة . واعلم أنه قدم الغذاء الحيواني على الغذاء النباتي لأن النعمة فيه أعظم لأنه أسرع تشبيها ببدن الإنسان ، وفي ذكر الغذاء النباتي قدم غذاء الحيوان - وهو الشجر - على غذاء الإنسان - وهو الزرع وغيره - بناء على مكارم الأخلاق وهو . أن يكون اهتمام الإنسان بحال من تحت يده أكمل من اهتمامه بحال نفسه ، وإنما عكس الترتيب في قوله :
كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ
بناء على ما هو الواجب في نفس الأمر كقوله صلى اللّه عليه وسلم : « ابدأ بنفسك ثم بمن تعول » . قوله :
وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ
معنى تسخيرهما للناس تصييرهما نافعين لهم بحسب مصالحهم على سنن واحد يتعاقبان دائما كالعبد المطواع ، وكذا الكلام في تسخير الشمس والقمر والنجوم كما في « الأعراف » وفي سورة إبراهيم . وهذا حسم لمادة شبهة من يزعم أن حركات الأفلاك هي المقتضية لتعاقب الليل والنهار ومسيرات الكواكب هي المستدعية للحوادث السفليات ، فإنه إن سلم لهم ذلك فلا بد لتلك الحركات والمسيرات