والأخلاق الرديئة بتحصيل أضدادها وهي الطريقة ، والهدى عبارة عن ظهور نور الحق في قلوب الصدّيقين وهي الحقيقة ، والرحمة إشارة إلى كونها بالغة في الكمال والإشراق إلى حيث تصير مكملة للباقين وهي النبوة .
ولما أرشد سبحانه إلى الطريق الموصل إلى السعادات الباقية الروحانية ذكر أنها هي التي يجب أن يكمل الفرح بحصولها دون السعادات الفانية الجسمانية فقال :
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ
قال في الكشاف : أصل الكلام بفضل اللّه وبرحمته فليفرحوا
فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا
والتكرير للتقرير والتأكيد ، وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا فحذف أحد الفعلين لدلالة الآخر عليه . والفاء داخلة لمعنى الشرط كأنه قيل : إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح ، وجوز أن يراد بفضل اللّه وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا ، وأن يراد قد جاءتكم موعظة بفضل اللّه وبرحمته فبذلك أي بمجيئها فليفرحوا . وعلى هذا يكون
قُلْ
اعتراضا . ومن قرأ بتاء الخطاب فمعناه على ما نقل عن زيد بن ثابت فبذلك فلتفرحوا يا أصحاب محمد هو خير مما يجمع الكفار ، ونسبت هذه القراءة إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم وهو الأصل والقياس لأنه أدل على الأمر بالفرح وأشد تحريضا به .
وإنما قلنا إنه الأصل لأن حكم الأمر في المخاطب والغائب واحد إلا أنه خفف أمر المخاطب بحذف اللام وبحذف حرف المضارعة لكثرة الاستعمال فاضطروا إلى همزة الوصل . ومن قرأ تجمعون بتاء الخطاب فإنه عنى المخاطبين والغائبين جميعا إلا أنه غلب الخطاب كما يغلب التذكير ، أو كأنه أراد المؤمنين وفيه حث لهم على ترجيح الجواذب العقلية الروحانية على النوازع النفسانية الجسدانية لأنه لا معنى لهذه اللذات الجسمانية إلا دفع الآلام ، والمعنى العدمي لا يستحق الفرح به ، وبتقدير أن تكون صفات ثبوتية إلا أن التضرر بآلامها أقوى من الانتفاع بلذاتها فلا نسبة للذة الوقاع - وهي أقوى اللذات - إلى ألم القولنج وسائر الآلام القوية . وأيضا إن مداخل اللذات الجسمانية معظمها البطن والفرج ، ومداخل الآلام كل جزء من أجزاء البدن . وأيضا اللذات الجسمانية لا بقاء لها مثلا إذا زال ألم الجوع زال الالتذاذ بالأكل ، وكل ما لا بقاء له لا يشتد فرح العاقل بحصوله ، ولو لم يحصل في لذة الأكل والوقاع إلا إتعاب الحواس والجوارح في مقدماتها ولواحقها لكفى .
ومن المعلوم أن الفرح الحاصل بحدوث الولد لا يعادل الحزن الواقع عند موته وفيه قال المعري :
إن حزنا في ساعة الموت ضعا * ف سرور في ساعة الميلاد
فتبين بهذه الوجوه أن الفرح إنما يجب أن يكون بالروحانيات الباقيات لا