تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 567

مساهمون:

ص٥٦٧
الخير إشعارا بسرعة إجابته لهم حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل منه لهم . وقيل : التعجيل معناه طلب العجلة إلا أن الاستعجال أشهر وأظهر . فمعنى الآية لو أراد اللّه عجلة الشر للناس كما أرادوا عجلة الخير لهم . وقيل : هما متلازمان فكل معجل يلزمه الاستعجال إلا أنه تعالى وصف نفسه بتكوين العجلة ووصفهم بطلبها لأن اللائق به التكوين واللائق بهم الطلب . وسمي العذاب في الآية شرا لأنه أذى وألم في حق المعاقب به . ثم إن قوله
لَوْ يُعَجِّلُ
كان متضمنا لمعنى نفي التعجيل فيمكن أن يكون قوله
فَنَذَرُ الَّذِينَ
معطوفا على منوي كأنه قيل : ولكن لا يعجل فيذرهم إلزاما للحجة أو لمصالح أخرى . ثم بين أنهم كاذبون في استعجال الشر ولو أصابهم ما طلبوه أظهروا العجل والطيش فقال :
وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ
أي هذا الجنس
دَعانا لِجَنْبِهِ
اللام في معنى الوقت كقولك : جئته لشهر كذا . وإن شئت قلت في موضع الحال لأن الظرف والحال متآخيان فيصح عطف أحدهما على الآخر وتأويل أحدهما بالآخر أي دعانا مضطجعا
أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً
أو وقت اضطجاعه وقعوده وقيامه . والمراد أنه يدعو اللّه في جميع أحواله لا يفتر عن الدعاء . ثم إن خص الضر بالمرض احتمل أن يراد أنه يدعو اللّه حين كان مضطجعا غير قادر على القعود أو قاعدا غير قادر على القيام ، أو قائما لا يطيق المشي إلى أن يخف كل الخفة ويرزق الصحة بكمالها . أو يراد أن من المضرورين من هو أسوأ حالا وهو صاحب الفراش ، ومنهم من هو أخف وهو القادر على القعود ، ومنهم المستطيع للقيام وكلهم لا يصبرون على الضراء . قال بعض المفسرين : الإنسان هاهنا هو الكافر . ومنهم من بالغ فقال : كل موضع في القرآن ورد فيه ذكر الإنسان فالمراد به الكافر . وهذا شبه تحكم لورود مثل قوله تعالى :
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ
[ الدهر : 1 ] إلا أن يساعده نقل صحيح . والأصح عند العلماء العموم لأن الإنسان خلق ضعيفا لا يصبر على اللأواء ولا يشكر عند النعماء إلا من عصمه اللّه وقليل ما هم ، وهم الذين نظرهم في جميع الأحوال على المقدر المؤجل للأمور حسب إرادته ومشيئته فلا جرم إن أصابهم السراء شكروا وإن أصابهم الضراء صبروا فأفنوا إرادتهم في إرادته ورضوا بقضائه . قال الزجاج : في الآية تقديم وتأخير والتقدير : وإذا مس الإنسان الضر لجنبه أو قاعدا أو قائما . وضعف بأن تعديد أحوال الدعاء أبلغ من تعديد أحوال الضر لأنه إذا كان داعيا على الدوام ثم نسي ذلك في وقت الرخاء كان أعجب . ومعنى
مَرَّ
مضى على طريقته التي له قبل مس الضراء ومرّ عن موقف الدعاء والتضرع لا يرجع إليه . ومعنى
كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا
كأنه لم يدعنا فخفف وحذف ضمير الشأن
كَذلِكَ
مثل ذلك التزيين
زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
من