تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 548

مساهمون:

ص٥٤٨
عليه ، وإن أمكنه في الحضر فلا شك أن للسفر بركة أخرى يعرفها كل من زاول الأسفار وحاول الأخطار . ومعنى
لِيَتَفَقَّهُوا
ليتكلفوا الفقاهة في الدين ويتجشموا المتاعب في دلائلها التفصيلية . والظاهر أن المراد في الآية أعم من ذلك بحيث يشمل علوم الشرع كلها من التفسير والحديث وأصول الدين وأصول الفقه ومقدمات كل من ذلك وغاياتها بحسب الإمكان النوعي أو الشخصي . وفي قوله :
وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ
إشارة إلى أن الغرض الأصلي من التعلم هو الإنذار والإرشاد لا ما يقصده علماء السوء من الأغراض الفاسدة كالمطاعم والملابس والمناصب والمفاخر ، أعاذنا اللّه تعالى بفضله من قبح النية وفساد الطوية ، وجعلنا ممن لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا . القائلون بأن خبر الواحد حجة قالوا : أوجب اللّه تعالى أن يخرج من كل فرقة طائفة ، والخارج من الثلاثة اثنين أو واحدا . ثم إنه أوجب العمل بأخبارهم بقوله :
وَلِيُنْذِرُوا
وأجيب بأن إيجاب الإنذار لا يدل على وجوب العمل لأن الشاهد الواحد يلزمه أداء الشهادة وإن لم يلزم القبول ورد بأن قوله :
لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
إيجاب للعمل بأخبارهم . ثم أرشد سبحانه إلى ترتيب القتال فقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ
أي يقربون منكم مبتدأ من الأقرب ومنتقلا إلى الأبعد . والقتال واجب مع كافة الكفر بآية القتال ، ولكن هذه الآية أخص لأن الغرض منها الترتيب ما لم يدع إلى قتال الأبعد قبل دفع الأقرب ضرورة فلا تكون هذه منسوخة بآية القتال على ما نقل عن الحسن ، وإنما وجب الابتداء بالغزو من المواضع القريبة لأن قتال الكل دفعة متعذر وللأقرب ترجيح ظاهر كما في الدعوة وكما في سائر المهمات مثلا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، يبتدأ بالجمع الحاضرين ثم ينتقل إلى الغائبين . وأيضا المئونة في قتال الأقربين من النفقة والدواب تكون أقل والقتال معهم يكون أسهل للوقوف على أحوالهم وعدد عسكرهم ، والفرقة المجاهدة إذا تجاوزوا من الأقرب إلى الأبعد فقد عرضوا الذراري للفتنة . وقد حارب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قومه ثم غيرهم من عرب الحجاز ثم غزا الشام . ويروى أن أعرابيا جلس على المائدة وكان يمد يده إلى الجوانب البعيدة من تلك المائدة فقال صلى اللّه عليه وسلم : كل مما يليك . فثبت بهذه الوجوه أن الابتداء بالأقرب فالأقرب واجب ما لم يضطر إلى العدول ضرورة . وقوله
وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً
أي شدة نظير قوله :
وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ
[ التحريم : 9 ] ومن قرأ بفتح الغين فهو المصدر أيضا كالسخطة وهي لفظة جامعة للجراءة والصبر على القتال ولشدة العداوة والعنف في القتل والأسر ، كل ذلك فيما يتصل بالدعوة إلى الدين إما بإقامة الحجة وإما بالسيف ، أما فيما يتصل بالبيع
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 548 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات