تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 547

مساهمون:

ص٥٤٧
لأجل الجزاء جزاء أحسن من أعمالهم وأجل . وقيل : الأحسن من صفة الفعل أي يجزيهم على الأحسن وهو الواجب والمندوب دون المباح . واعلم أنه سبحانه عدد أشياء بعضها ليس من أعمال المجاهدين وهو الظمأ والنصب والمخمصة ، وباقيها من أعمالهم وهي الوطء والنيل والإنفاق وقطع الأرض ، وقسم هذا الباقي قسمين فضم شطرا منه إلى ما ليس من أعمالهم تنبيها على أنه في الثواب جار مجرى عملهم ولهذا صرح بذلك فقال :
إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ
أي جزاء عمل صالح وأكد ذلك بقوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
. ثم أورد الشطر الباقي لغرض آخر وهو الوعد بأحسن الجزاء ، واقتصر هاهنا على قوله
إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ
لأن هذا القسم من عملهم فلم يحتج إلى تصريح بذلك ، أو اكتفاء بما تقدم ، أو لأن الضمير عائد إلى المصدر الدال عليه الفعل واللّه تعالى أعلم بمراده . ثم قال :
وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ
وفيه قولان : أحدهما أنه من بقية أحكام الجهاد لأنه سبحانه لما بالغ في عيوب المنافقين كان المسلمون إذا بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سرية إلى الكفار ينفرون جميعا ويتركونه بالمدينة وحده فنزلت الآية . قاله ابن عباس . والمعنى أنه لا يجوز للمؤمنين أن ينفروا بأسرهم إلى الجهاد بل يجب أن يصيروا طائفتين إحداهما لملازمة خدمة الرسول والأخرى للنفر إلى الغزو . ثم هاهنا احتمالان لأنه قال محرضا
فَلَوْ لا نَفَرَ
أي هلا نفر
مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ
فذهب الأكثر إلى أن الضمير في
لِيَتَفَقَّهُوا
عائد إلى الفرقة الباقية في حضرة الرسول صلى اللّه عليه وسلم لأنهم إذا بقوا في خدمته شاهدوا الوحي والتنزيل وضبطوا ما حدث من الشرائع ، وعلى هذا فلا بد من إضمار والتقدير : فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة وأقام طائفة ليتفقه المقيمون في الدين
وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ
النافرين
إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
معاصي اللّه عند ذلك وبهذا الطريق يتم أمر الدين بهاتين الطائفتين وإلا ضاع أحد الشقين ، والاحتمال الآخر ما روي عن الحسن أن الضمير يعود إلى الطائفة النافرة . وتفقههم هو أنهم يشاهدون ظهور المسلمين على المشركين وأن العدد القليل منهم من غير زاد ولا سلاح كيف يغلبون الجم الغفير من الكفار فينتبهون لدقائق صنع اللّه في إعلاء كلمته . فإذا رجعوا إلى قومهم أنذروهم بما شاهدوا من دلائل الحق فيحذروا أي يتركوا الكفر والشرك والنفاق . القول الثاني أنه ليس من بقية أحكام الجهاد وإنما هو حكم مستقل بنفسه ، ووجه النظم أن الجهاد أمر يتعلق بالسفر وكذلك التفقه ، أما في زمن الرسول صلى اللّه عليه وسلم فوجوبه ظاهر لمن ليس بحضرته حتى يصل إليه ويستفيد من خدمته لأن الشريعة ما كانت مستقرة بل كانت تتجدد كل يوم شيئا فشيئا ، وأما في زماننا فلا ريب أنه متى عجز عن التفقه إلا بالسفر وجب
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 547 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات