تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨
أن اللقاء في القرآن ليس بمعنى الرؤية ، وضعف بأنه لا يلزم من عدم كون هذا اللقاء بمعنى الرؤية كون كل لقاء ورد في القرآن كذلك كقوله
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ
[ البقرة : 46 ] . ثم وبخهم على التجاهل أو عدم العلم بعلم اللّه وإحاطته بضمائرهم وتناجيهم فقال
أَ لَمْ يَعْلَمُوا
الآية . والسر ما ينطوي عليه الصدر ، والنجوى ما يكون بين اثنين وأكثر مع الإخفاء عن غيرهم . والترتيب يدل على التخليص كما مر في الإنجاء كان المتناجيين تخلصا عن غيرهما ومنه
خَلَصُوا نَجِيًّا
[ يوسف : 80 ] ومعنى الآية كيف تتجرءون على النفاق الذي الأصل فيه الاستسرار والتناجي فيما بينهم مع أنه تعالى يعلم ذلك من حالهم كما يعلم الظاهر ويعاقب عليه كما يعاقب على الظاهر لأنه العالم بجميع المعلومات على أي وجه يفرض ؟ ! عن ابن عباس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خطبهم ذات يوم وحثهم على أن يجمعوا الصدقات ، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال : يا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مالي ثمانية آلاف جئتك بنصفها فاجعلها في سبيل اللّه وأمسكت نصفها لعيالي . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : بارك اللّه لك فيما أعطيت وفيما أمسكت فبارك اللّه في مال عبد الرحمن حتى إنه خلف امرأتين يوم مات فبلغ ثمن ماله لهما مائة وستين ألف درهم . وقيل ؛ صولحت إحداهما على ثمانين ألفا . وتصدق يومئذ عاصم بن عدي العجلاني بمائة وسق من تمر ، وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع من تمر وقال : أجرت الليلة الماضية نفسي من رجل لإرسال الماء إلى نخيله فأخذت صاعين من تمر ، أمسكت أحدهما لعيالي وأقرضت الآخر لربي ، فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بوضعه في الصدقات فلمزهم المنافقون وقالوا : ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلّا رياء وسمعة ، وأما أبو عقيل فإنه جاء بصاعه ليذكر مع سائر الأكابر واللّه غني عن صاعه فأنزل اللّه سبحانه
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ
أي المتطوعين فأدغمت . والتطوع التنفل وهو الطاعة للّه بما ليس بواجب . والجهد بالضم والفتح شيء قليل يعيش به المقل ، قاله الليث . وقال الفراء : الضم لغة أهل الحجاز والفتح لغيرهم . وفرق ابن السكيت بينهما فقال : الجهد بالضم الطاقة وبالفتح المشقة . وقال الشعبي : الأول في العمل والثاني في القوة
سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ
خير لا دعاء كقوله
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
[ البقرة : 15 ] وقد عرفت أن هذا من قبيل المشاكلة ، أو المراد منه لازم السخرية وهو إيقاع الذل والهوان بهم . وقال الأصم : المراد أنه تعالى يكلفهم إنفاق المال مع أنه لا يثيبهم عليه ، وإنما توجه الذم على المنافقين في هذا اللمز لأن الحكم بالرياء لمن يعطي الكثير كعبد الرحمن بن عوف