تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 471

مساهمون:

ص٤٧١
اللّه تعالى أن يخرج هو وأبو بكر الصديق إلى الغار . فخرج وأمر عليا أن يضطجع على فراشه فلما وصلا إلى الغار دخل أبو بكر يلتمس ما في الغار فقال له الرسول : ما لك ؟ فقال : بأبي أنت وأمي ، الغيران مأوى السباع والهوام فإن كان فيه شيء كان بي لا بك ، فخرق عمامته وسد الحجرة وبقي حجر واحد فوضع عقبه عليه كيلا يخرج منه ما يؤذي الرسول صلى اللّه عليه وسلم . فلما طلب المشركون الأثر وقربوا بكى أبو بكر خوفا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال عليه السلام :
لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا
وقيل : طلع المشركون فوق الغار فاشفق أبو بكر على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : إن تصب اليوم ذهب دين اللّه فقال صلى اللّه عليه وسلم : ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما ! وقيل : لما دخلا الغار بعث اللّه حمامتين فباضتا في أسفله ، والعنكبوت فنسجت عليه وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : اللهم أعم أبصارهم . فجعلوا يترددون حول الغار ولا يفطنون له قد أخذ اللّه أبصارهم عنه . استدل أهل السنة بالآية على أفضلية أبي بكر وغاية اتحاده ونهاية صحبته وموافقة باطنه ظاهره وإلا لم يعتمد الرسول عليه في مثل تلك الحالة ، وأنه كان ثاني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الغار وفي العلم لقوله « ما صب في صدري شيء إلا وصببته في صدر أبي بكر » وفي الدعوة إلى اللّه لأنه صلى اللّه عليه وسلم عرض الإيمان أولا على أبي بكر فآمن ، ثم عرض أبو بكر الإيمان على طلحة والزبير وعثمان بن عفان وجماعة أخرى من أجلة الصحابة ، وكان لا يفارق الرسول صلى اللّه عليه وسلم في الغزوات وفي أداء الجماعات وفي المجالس والمحافل ، وقد أقامه في مرضه مقامه في الإمامة ، ولما توفي دفن بجنب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكان ثاني اثنين من أول أمره إلى آخره ، ولو قدرنا أنه توفي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ذلك السفر لزم أن لا يقوم بأمره ولا يكون وصيه إلا أبو بكر . وأن لا يبلغ ما حدث في ذلك الطريق من الوحي والتنزيل إلا أبو بكر . وقوله
لا تَحْزَنْ
نهى عن الحزن مطلقا والنهي يقتضي الدوام والتكرار فهو لا يحزن قبل الموت وعنده وبعده . ولا شك أن من كان اللّه معه فإنه يكون من المتقين المحسنين لقوله
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ
[ النحل : 128 ] قال الحسين بن فضيل : من أنكر صحبة غير أبي بكر من الصحابة فإنه يكون كذابا مبتدعا ، ومن أنكر صحبة أبي بكر فإنه يكون كافرا لأنه خالف قول اللّه تعالى
إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ
أجابت الشيعة بأن كونه ثاني اثنين ليس أعظم من كون اللّه رابعا لكل ثلاثة في قوله
ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ
[ المجادلة : 7 ] وهذا عام في حق كل كافر ومؤمن . وكون المصاحبة موجبة للتشريف معارض بقوله تعالى للكافر
قالَ لَهُ صاحِبُهُ