تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 470

مساهمون:

ص٤٧٠
هذه الأمة على المعصية والضلالة إلا أنه طالما أعطى للأكثر حكم الكل وأطلق لفظ الكل على الأغلب . ثم لما رغبهم في الجهاد بعرض الثواب عليهم رغبتهم فيه بعرض العقاب فقال
إِلَّا تَنْفِرُوا
ورتب عليه ثلاث خصال : الأولى قوله
يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً
قيل : هو عذاب الدنيا . عن استنفرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فتثاقلوا فأمسك اللّه عنهم المطر . وقال الحسن : اللّه أعلم بالعذاب الذي كان ينزل عليهم . وقيل : هو عذاب الآخرة فإن الأليم لا يليق إلا به . وقيل : إنه تهديد بالعذاب المطلق الشامل للدارين . الثانية قوله
وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ
يعني قوما آخرين خيرا منهم وأطوع . قيل : هم أهل اليمن . عن أبي روق . وقيل : أبناء فارس عن سعيد بن جبير . وقيل : يحتمل أن يراد بهم الملائكة . وقال الأصم : معناه أنه يخرجه من بين أظهركم وهي المدينة والأصح إبقاء الآية على الإطلاق . الثالثة قوله
وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً
قال الحسن : الضمير للّه وفيه أنه غني عنهم في نصرة دينه بل في كل شيء . وقال آخرون : الضمير للرسول لأن اللّه وعده أن يعصمه ووعد اللّه كائن لا محالة . وفي قوله
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
تنبيه على أنه قادر على نصرة رسوله بأي وجه أراد ، وقادر على إيقاع العذاب بكل من يخالف أمره كائنا من كان . عن الحسن وعكرمة أن الآية منسوخة بقوله
وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً
[ التوبة : 122 ] والصحيح أنها خطاب لمن استنفرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلم ينفروا فلا نسخ . قال الجبائي : في الآية دلالة على إبطال مذهب المرجئة من أن أهل القبلة لا وعيد لهم . وقال القاضي : فيها دلالة على وجوب الجهاد سواء كان مع الرسول أولا لقوله تعالى
ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ
ولم ينص على أن القائل هو الرسول . ومن قال إن الضمير في قوله
لا تَضُرُّوهُ
عائد إلى الرسول فجوابه أن خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم أولها . ثم رغبهم في الجهاد بطريق آخر فقال
إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ
وهذا كالتفسير لما تقدم . والمعنى إن لم تشتغلوا بنصره فإن اللّه سينصره بدليل أن اللّه نصره وقواه حال ما لم يكن معه إلا رجل واحد ولا أقل من الواحد . وفيه أنه لما أوجب له النصرة وقتئذ فلن يخذله بعد ذلك . وقوله
إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا
أي ألجئوه إلى أن خرج ظرف لنصره ، و
ثانِيَ اثْنَيْنِ
نصب على الحال ومعناه أحد اثنين لأنه إذا حضر اثنان فكل واحد منهما ثان للآخر وواحد منهما . وقوله
إِذْ هُما فِي الْغارِ
بدل من إذ أخرجه و
إِذْ يَقُولُ
بدل ثان والغار نقب عظيم في الجيل والمراد به هاهنا نقب في أعلى ثور وهو جبل في يمين مكة على مسيرة ساعة . واعلم أنا قد ذكرنا في سورة الأنفال أن قريشا ومن بمكة تعاقدوا على قتل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فنزل
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ الأنفال : 30 ] فأمره