أن إله العالم ليس بجسم ولا جسماني . وأما الخلاف في المسائل المذكورة فراجع إلى الصفة فظهر الفرق . نعم إنا نكفر الحلولية والحروفية القائلين بأن كلام اللّه تعالى حل في كل لسان وفي كل جسم كتب فيه القرآن كما نكفر النصارى القائلين بأن أقنوم الكلمة حلت في عيسى .
الصفة الثانية : أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر لأن اليهود والنصارى ينكرون المعاد الجسماني . والقرآن دل على أن أهل الجنة يأكلون ويشربون وباللذات يتمتعون ، وأما السعادات الروحانية فمتفق عليها . الصفة الثالثة :
وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ
أي لا يحرّمون ما حرم اللّه في القرآن ، والرسول في سنته كالخمر والخنزير ونحوهما . وقال أبو روق : أي لا يعملون بما في التوراة والإنجيل بل حرّفوهما وأتوا بأحكام توافق مشتهاهم . الصفة الرابعة :
وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ
أي لا يعتقدون صحة دين الإسلام الذي هو الحق . يقال : فلان يدين بكذا إذا اتخذ ذلك دينه ومعتقده . وقيل : الحق هو اللّه .
ثم ذكر غاية القتال فقال
حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ
فعله من جزى يجزي إذا قضى ما عليه .
قال الواحدي : هي ما يعطى المعاهد على عهده . وقال في الكشاف : سميت جزية لأنها طائفة مما على أهل الذمة أن يجزوه أي يقضوه ، أو لأنهم يجزون بها من منّ عليهم بالإعفاء عن القتل . ومعنى
عَنْ يَدٍ
إن أريد بها يد المعطي أي عن يد مؤاتية غير ممتنعة يقال : أعطى بيده إذا انقاد وأصحب ، أو المراد حتى يعطوها عن يد إلى نقدا غير نسيئة ولا مبعوثا على يد أحد ، وإن أريد بها يد الآخذ فمعناه حتى يعطوها عن يد قاهرة مستولية أي بسببها كقوله :
ينهون عن أكل وعن شرب أي يتناهون في السمن بسببهما . أو المراد عن إنعام عليهم فإن قبول الجزية منهم بدلا عن أرواحهم نعمة عظيمة عليهم . قيل : إن من اليهود موحدة فما وجه إيجاب الجزية عليهم ؟ والجواب أنه إذا ثبت وجوب الجزية على بعضهم لزم القول في حق الكل لعسر الامتياز ولوجود الصفات الباقية فيهم . أما مقدار الجزية
فعن أنس : قسم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على كل محتلم دينارا ،
وقسم عمر على فقرائهم في المدينة اثني عشر درهما ، وعلى الأوساط أربعة وعشرين ، وعلى أهل الثروة ثمانية وأربعين . فذهب الشافعي إلى أن أقل الجزية دينار ولا يزاد على الدينار إلا بالتراضي . وذهب أبو حنيفة إلى قسم عمر . والمجوس سبيلهم سبيل أهل الكتاب
لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « سنوا بهم سنة أهل الكتاب »
ويروى أنه صلى اللّه عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر
وذلك أن لهم شبهة كتاب . ومعنى ذلك أن كتبهم وهي الصحف التي أنزلت على إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم