بالاختصاص بالمعرفة والهداية وانشراح الصدر وإزالة الغل والحسد والمكر وسائر الأخلاق الذميمة والأوصاف السبعية والبهيمية ، وفي الأحوال الظاهرة بإعلاء الكلمة والإظهار على أهل الأديان كلهم ، وفي أحوال الآخرة بالثواب الجزيل والمنافع الدائمة والتعظيم من اللّه والملائكة .
وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ
يستر عليكم في الدنيا صغائركم إن فرطت منكم
وَيَغْفِرْ لَكُمْ
في دار الجزاء
وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
فإذا وعد بشيء وفي به أحسن الإيفاء . ومن عظيم فضله أنه يتفضل بذاته من غير واسطة وبدون التماس عوض وكل متفضل سواه فإنه لا يتفضل إلا بعد أن يخلق اللّه فيه داعية التفضل وبعد أن يمكن المتفضل عليه من الانتفاع بذلك . وبعد أن يكون قد تصوّر فيه ثوابا أو ثناء ، أو حمله على ذلك رقة طبع أو عصبية وإلا فلا فضل في الحقيقة إلا للّه سبحانه فلهذا وصفه بالعظم . ثم لما ذكر المؤمنين نعمه عليهم بقولهم
وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ
ذكر رسوله نعمته عليه وذلك دفع كيد المشركين عنه حين كان بمكة ليشكر نعمة اللّه في نجاته من مكرهم وفيما أتاح له من حسن العاقبة . والمعنى واذكر وقت مكرهم .
فإن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم من المفسرين : ذكروا أن قريشا اجتمعوا في دار الندوة متشاورين في أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ وقال : أنا شيخ من نجد ما أنا من تهامة دخلت مكة فسمعت باجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن تعدموا مني رأيا ونصحا . فقالوا : هذا من نجد لا بأس عليكم به . فقال أبو البختري من بني عبد الدار : رأيي أن تحبسوه في بيت وتشدوا وثاقه وتسدوا بابه غير كوّة وتلقون إليه طعامه وشرابه منها وتتربصوا به ريب المنون ، فقال إبليس : بئس الرأي يأتيكم من يقاتلكم من قومه ويخلصه من أيديكم . فقال هشام بن عمرو : رأيي أن تحملوه على جمل وتخرجوه من بين أظهركم فلا يضركم ما صنع واسترحتم . فقال : بئس الرأي يفسد قوما غيركم ويقاتلكم بهم . فقال أبو جهل : أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاما وتعطوه سيفا صارما فيضربوه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم ، فإذا طلبوا العقل عقلناه واسترحنا . فقال الشيخ : صدق هذا الفتى هو أجودكم رأيا . فتفرقوا على رأي أبي جهل مجمعين على قتله ، فأخبر جبريل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأمره أن لا يبيت في مضجعه وأذن اللّه له في الهجرة فأمر عليا عليه السلام فنام في مضجعه وقال له : اتشح ببردتي فإنه لن يخلص إليك أمر تكرهه . وباتوا مترصدين فلما أصبحوا ثاروا إلى مضجعه فأبصروا عليا فبهتوا وخيب اللّه سعيهم واقتصوا أثره فأبطل مكرهم .
ومعنى
لِيُثْبِتُوكَ
قال ابن عباس :
ليوثقوك ويسجنوك لأنه لا يقدر على الحركة وهو إشارة إلى رأي أبي البختري . وقوله
أَوْ