أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي . فقال صلى اللّه عليه وسلم : يجزيك الثلث أن تتصدق به .
وقال السدي : كانوا يسمعون من النبي صلى اللّه عليه وسلم شيئا فيفشونه ويلقونه إلى المشركين فنهاهم اللّه عن ذلك . وقال ابن زيد : نهاهم اللّه أن يخونوا كما صنع المنافقون يظهرون الإيمان ويسرون الكفر .
وعن جابر بن عبد اللّه أن أبا سفيان خرج من مكة فعلم النبي صلى اللّه عليه وسلم خروجه وعزم على الذهاب إليه فكتب إليه رجل من المنافقين إن محمدا يريدكم فخذوا حذركم فنزلت .
وقال الزهري والكلبي : نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة بخروج النبي صلى اللّه عليه وسلم إليها حكاه الأصم . قال القاضي : والأقرب أنها في الغنائم . فالخيانة فيها خيانة اللّه لأنها عطيته ، وخيانة لرسوله لأنه القيم بقسمتها ، وخيانة للمؤمنين الغانمين فلكل منهم فيها حق . قال : ويحتمل أن يراد بالأمانة كل ما تعبد به كأن معنى الآية إيجاب أداء التكاليف بأسرها في الغنيمة وغيرها على سبيل التمام والكمال من غير نقص ولا إخلال ، ومعنى الخون النقص كما أن معنى الوفاء التمام فإذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت النقصان فيه ، وقد استعير فقيل : خان الدلو الكرب ، وخان المشتار السبب .
والكرب حبل قصير يوصل بالرشاء ويكون على العراقيّ سمي كربا لأنه يكرب من الدلو أي يقرب منه . واشتار العسل إذا اجتناه وجمعه . وتخونوا يحتمل أن يكون جزما داخلا في حكم النهي وأن يكون نصبا بإضمار أن كقوله
وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ
[ البقرة : 42 ] ومعنى الآية على الوجه العام لا تخونوا اللّه بأن تعطلوا فرائضه ورسوله بأن لا تستنوا به وأماناتكم فيما بينكم بأن لا تحفظوها وأنتم تعلمون تبعة ذلك ووباله ، أو تعلمون أنكم تخونون يعني أن الخيانة توجد منكم عمدا لا سهوا . وقيل : وأنتم علماء تعلمون قبح القبيح وحسن الحسن . ثم لما كان الداعي إلى الخيانة هو محبة الأموال والأولاد ولعل ما فرط من أبي لبابة كان بسبب ذلك نبه اللّه سبحانه على أنه يجب على العاقل أن يحترز عن المضار المتولدة من ذلك الحب فقال
أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
أي أنها سبب الوقوع في الفتنة وهي الإثم أو العذاب أو هي محنة من اللّه ليبلوكم كيف تحافظون على حدوده في ذلك الباب
وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
فعليكم أن تزهدوا في الدنيا وما يتعلق بها وتنوطوا هممكم بما يفضي إلى السعادات الروحانية الباقية . ويمكن أن يتمسك بالآية في بيان أن الاشتغال بالنوافل لكونه مفضيا إلى الأجر العظيم عند اللّه هو أفضل من الاشتغال بالنكاح لأدائه إلى الفتنة . ثم رغب في التقوى التي توجب الإعراض عن محبة الأموال والأولاد وعن التهالك في شأنهم فقال
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ
في ارتكاب الكبائر والإصرار على الصغائر و
يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً
فارقا بينكم وبين الكفار في الأحوال الباطنة