كافرا وهذا بعيد لأنه سبحانه قال اللّه أعلم حيث يجعل رسالاته [ الأنعام : 124 ] وفيه أنه تعالى لا يشرف عبدا من عبيده بالرسالة إلا إذا علم امتيازه عن سائر عبيده بمزيد الشرف والفضل ، ومن كان هذا حاله فكيف يليق به الكفر ؟
وقال عبد اللّه بن عمر وسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وأبو روق : نزلت في أمية بن أبي الصلت وكان قد قرأ الكتب وعلم أن اللّه تعالى يرسل رسولا في ذلك الوقت فرجا أن يكون هو فلما أرسل اللّه محمد صلى اللّه عليه وآله حسده ثم مات كافرا ولم يؤمن بالنبي صلى اللّه عليه وسلم وهو الذي قال فيه النبي صلى اللّه عليه وسلم : لقد كاد يسلم .
وذلك أنه يوحد اللّه تعالى في شعره ويذكر دلائل توحيده من خلق السماء والأرض وأحوال الآخرة والجنة والنار .
وقيل : نزلت في أبي عامر الراهب الذي سماه النبي صلى اللّه عليه وسلم بالفاسق وكان يتزهد في الجاهلية ، فلما جاء الإسلام خرج إلى الشام وأمر المنافقين باتخاذ مسجد الضرار وأتى قيصر واستنجده على النبي صلى اللّه عليه وآله فمات هناك طريدا وحيدا وهو قول سعيد ابن المسيب .
وقيل : نزلت في منافقي أهل الكتاب وكانوا يعرفون أن النبي صلى اللّه عليه وسلم نبي الحق عن الحسن والأصم . وروى عكرمة عن ابن عباس قال : هو رجل أعطى ثلاث دعوات يستجاب له فيها ، وكانت له امرأة يقال لها البسوس وكان له منها ولد وكان يحبها فقالت : اجعل لي منها دعوة . قال : لك منها واحدة فما ذا تأمرين ؟ قالت : ادع اللّه أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل . فلما علمت أن ليس فيهم مثلها رغبت عنه وأرادت شيئا آخر فدعا اللّه عليها أن يجعلها كلبة نباحة فذهب فيها دعوتان ، وجاء بنوها فقالوا :
ليس لنا على هذا إقرار قد صارت أمنا كلبة نباحة يعيرنا بها الناس فادع اللّه أن يردها إلى الحال التي كانت عليها ، فدعا اللّه فعادت كما كانت وذهبت الدعوات الثلاث وبها يضرب المثل فيقال : « أشأم من البسوس » . وقيل : هو عام فيمن عرض عليه الهدى فأعرض عنه وهو قول قتادة وعكرمة وأبي مسلم . ومعنى قوله
آتَيْناهُ آياتِنا
عند الأكثرين علمناه حجج التوحيد وفهمناه أدلته حتى صار عارفا بها
فَانْسَلَخَ مِنْها
فخرج من محبة اللّه تعالى إلى معصيته ومن رحمته إلى سخطه . يقال لكل من فارق شيئا بالكلية إنه انسلخ منه . وقال أبو مسلم
آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها
أي بيناها فلم يقبل وعري منها وتباعد كما هو شأن كل كافر لم يؤمن بالأدلة وأقام على الكفر . والقول الأول أولى لأن الانسلاخ يدل على أن الشيء كان موجودا فيه ثم خرج منه لا على إنه لم يوجد فيه أصلا . وأيضا ثبت بالأخبار أن الآية نزلت في إنسان كان عارفا بدين اللّه ثم خرج من المعرفة إلى الكفر والغواية وذلك قوله
فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ
أي أدركه ولحقه وصار قرينا له ، أو أتبعه الشيطان خطواته أو كفار الإنس وغواتهم أي الشيطان جعل كفار الإنس أتباعا له
فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ
في علم اللّه تعالى أو فصار