تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
الْجُوعِ وَالْخَوْفِ
[ النحل : 112 ]
ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ
الدالة على فضله ورحمته على عباده
لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
فيعرفون عظيم النعمة فيه . ثم حذر أولاد آدم من قبول وسوسة الشيطان لأن المقصود من قصص الأنبياء عليهم السلام أن تكون عبرة لمن يسمعها فقال :
يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ
الفتنة الامتحان ، تقول : فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته . وقال الخليل : الفتن الإحراق . وورق فتين أي فضة محرقة ، قال اللّه تعالى :
يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ
[ الذاريات : 13 ] من قدر على إخراج الأب من الجنة مع كمال قوته وقرب عهده من فيضان ربه فهو على منع أولاده عن أن يدخلوا الجنة أقدر . ومحل
كَما أَخْرَجَ
نصب على المصدر أي فتنة مثل إخراج أبويكم لأن هذا الإخراج نوع من الفتنة . ومحل
يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما
حال أي أخرجهما نازعا لباسهما بأن كان سببا في أن نزع عنهما . واللام في
لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما
لام العاقبة أو لام الغرض كما تقدم في قوله :
لِيُبْدِيَ لَهُما
[ الأعراف : 20 ] قال ابن عباس : يرى آدم سوأة حواء ويرى حواء سوأة آدم وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر . وعن عائشة رضي اللّه عنها ما رأيت منه ولا رأى مني . وحمله العلماء على الكراهية لا على التحريم . واختلفوا في اللباس الذي نزع عنهما فقيل : الثوب الحائل بينهما وبين النظر . وعن سعيد بن جبير : كان لباسهما من جنس الأظفار . وقيل : اللباس الذي هو ثياب الجنة ، قال الكعبي : في الآية دلالة على أن المعاصي والفتن كلها منسوبة إلى الشيطان . وأجيب بأنه لا بد من الانتهاء إلى خالق الكل وموجد القدر والدواعي . ثم علل النهي وأكد التحذير بقوله :
إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ
أي جماعته من الثلاثة فصاعدا . والقبيل بنو أب واحد . وقال ابن قتيبة : أي أصحابه وجنده . وقال الليث : هو وقبيله أي وجماعته .
مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ
أي يكيدون ويغتالون من حيث لا تشعرون . قال بعض المتكلمين ومنهم المعتزلة : الوجه في أن الإنس لا يرون الجن رقة أجسام الجن ولطافتها ، والوجه في رؤية الجن الإنس كثافة أجسام الإنس ، والوجه في رؤية الجن بعضهم بعضا أن اللّه تعالى يقوي شعاع أبصار الجن ويزيد فيه ولو زاد اللّه في قوة أبصارنا لرأيناهم كما يرى بعضنا بعضا ، ولو أنه تعالى كثف أجسامهم وبقيت أبصارنا على هذه الحالة لرأيناهم . وقال أهل السنة : إنهم يرون الإنسان لأنه تعالى خلق في عيونهم إدراكا ، والإنس لا يرونهم لأنه تعالى لم يخلق هذا الإدراك في عيون الإنس . قال بعض العلماء :
مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ
يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيص ففيه دليل على أن الجن لا يرون ولا يظهرون للإنس ، وأن إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم ، وأن زعم من يدعي رؤيتهم فزور ومخرقة . ولو قدر الجن على تغيير صور أنفسهم بأي صورة شاءوا لارتفع الوثوق عن