خَلَقْناكُمْ
إشارة إلى حكم اللّه وتقديره لإحداث البشر في هذا العالم . وقوله :
صَوَّرْناكُمْ
إشارة إلى أنه تعالى أثبت في اللوح المحفوظ صورهم كما أنه أثبت صور كل كائن كما
جاء في الخبر « اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة » .
ثم بعد هذين الأمرين أحدث اللّه تعالى آدم وأمر الملائكة بالسجود له . قال الإمام فخر الدين رضي اللّه عنه : وهذا التأويل عندي أقرب الوجوه في تأويل هذه الآية ، وأما أن إبليس هل هو من الملائكة أم لا فقد تقدم في أوائل سورة البقرة فلا وجه لإعادته . أما قوله سبحانه :
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ
فظاهره يقتضي أنه تعالى طلب من إبليس ما منعه من ترك السجود وليس الأمر كذلك فإن المقصود طلب ما منعه من السجود كما قال في سورة ص
ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
[ ص : 75 ] فلهذا الإشكال حصل للمفسرين رضي اللّه عنهم أقوال أوّلها وهو الأشهر : أن « لا صلة » زائدة كما في
لا أُقْسِمُ
[ القيامة : 1 ] وكما في قوله :
لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ
[ الحديد : 29 ] أي ليعلم وهذا قول الكسائي والفراء والزجاج والأكثرين . قال في الكشاف :
وفائدة زيادتها توكيد معنى الفعل الذي تدخل عليه وتحقيقه كأنه قيل في
لِئَلَّا يَعْلَمَ
ليتحقق علم أهل الكتاب ، وفي
ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ
ما منعك أن تحقق السجود وتلزمه نفسك . قلت : لعله أراد أن زيادة « لا » إشارة إلى نفي ما عدا المذكور ليلزم منه تحقق المذكور . وثانيها أن إثبات الزيادة في كلام اللّه تعالى خارج عن الأدب وأن الاستفهام للإنكار أي لم يمنعك من ترك السجود شيء كقول القائل لمن ضربه ظلما : ما الذي منعك من ضربي أدينك أم عقلك أم حياؤك ؟ والمعنى أنه لم يوجد أحد هذه فما امتنعت من ضربي . وثالثها قال القاضي : ذكر اللّه تعالى المنع وأراد الداعي فكأنه قال : ما دعاك إلى أن لا تسجد لأن مخالفة أمر اللّه تعالى حالة يتعجب منها ويسأل عن الداعي إليها . وقيل :
الممنوع من الشيء مضطر إلى خلاف ما منع منه . وقيل : معناه ما الذي جعلك في منعة من عذابي ؟ وقيل : معناه من قال لك لا تسجد . وأقول : يمكن أن لا يعلق قوله :
أَلَّا تَسْجُدَ
بقوله :
ما مَنَعَكَ
وإنما يكون متعلقه محذوفا التقدير : ما منعك من السجود أن لا تسجد أي لئلا تسجد توجه عليك هذا السؤال . والحاصل أن عدم سجودك ما سببه ؟
إِذْ أَمَرْتُكَ
أمر إيجاب . وفائدة هذا السؤال من علام الغيوب توبيخه وإفشاء معاندته وجحوده . واستدل العلماء بالآية على أن مجرد الأمر يقتضي الوجوب وإلا لم يترتب الذم عليه ، وأن الأمر يقتضي الفور وإلا لم يستوجب الذم بترك السجود في الحال . ثم استأنف اللعين قصة أخبر فيها عن نفسه بالفضل على آدم زعما منه أن مثله مستبعد أن يؤمر بما أمر به وتلك الخيرية هي التي منعته عن السجود فقال :
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ
ثم بين هذه المقدمة بقوله
خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ