تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
المعتزلة على لام العاقبة مجازا كما حملوا الجعل في قوله :
وَكَذلِكَ جَعَلْنا
على التخلية والخذلان . ثم قال في معرض التهديد
وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ
لأن وباله يعود عليهم
وَما يَشْعُرُونَ
وفيه تسلية لرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وتقديم موعد بالنصرة ، ثم إنه سبحانه حكى قول أبي جهل وأضرابه « زاحمنا بني عبد مناف في الشرف إلى آخره » وقول الوليد بن المغيرة « لو كانت النبوّة حقا لكنت أولى بها منك لأني أكبر منك سنا وأكثر منك مالا » فقال :
وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ
أي معجزة قاهرة أو وحي .
قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ
قال الضحاك : أراد كل واحد منهم ذلك كما في الآية الأخرى :
بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً
[ المدثر : 52 ] ويشبه أن يكون هذا الكلام الخبيث هو المراد بالمكر المذكور في الآية المتقدمة ، وللمفسرين في مقترحهم قولان : أحدهما - وهو الأشهر - أنهم أرادوا أن تحصل لهم النبوّة والرسالة كما حصلت للنبي صلى اللّه عليه وسلم وأن يكونوا متبوعين لا تابعين ومخدومين لا خادمين . وثانيهما عن ابن عباس والحسن أن المعنى وإذا جاءتهم آية من القرآن تأمرهم باتباع محمد صلى اللّه عليه وآله
قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً
[ الإسراء : 90 ] إلى قوله :
حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ
[ الإسراء : 93 ] من اللّه تعالى إلى أبي جهل وفلان وفلان فالقوم ما طلبوا النبوّة وإنما طلبوا آيات قاهرة ومعجزات ظاهرة مثل معجزات الأنبياء المتقدمين تدل على صحة نبوّة محمد صلى اللّه عليه وسلم . فقوله سبحانه في جوابهم على سبيل الاستئناف
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
على القول الأول ظاهر ، وأما على القول الثاني فوجهه أن القوم إذا اقترحوا تلك الآيات فلو أظهر اللّه تعالى تلك المعجزات على وفق التماسهم لكانوا قد قربوا من منصب الرسالة . قال بعض العقلاء : الأرواح متساوية في تمام الماهية فحصول النبوّة والرسالة لبعضها دون بعض تشريف من اللّه تعالى وإحسان وتفضل . وقال آخرون : بل النفوس مختلفة بجواهرها وماهياتها فبعضها خيرة طاهرة من علائق الجسمانيات مشرقة بالأنوار الإلهية مستعلية منورة ، وبعضها خبيثة كدرة محبة للجسمانيات ، فالنفس ما لم تكن من القسم الأول لم تصلح لقبول الوحي والرسالة . ومراتب الرسل مختلفة فمنهم ذو معجزة واحدة وذو معجزتين أو أكثر ، ومنهم من له تبع قليل ومنهم من آمن به جم غفير ، ومنهم من كان الرفق غالبا عليه ومنهم من كان مدار أمره على التغليظ والتشديد . وفي الآية تعريض بأن حصول النبوّة والرسالة لا بد فيه من قلب سليم ، والمقترحون فيهم من المكر والحسد ما فيهم فكيف يعقل حصول الرسالة لهم وإنما يحصل لهم ما يناسب أخلاقهم وأحوالهم ولهذا قال تعالى :
سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ
ذل وهوان
عِنْدَ اللَّهِ
أي في الآخرة أو في الدنيا