لهم أن يعملوا وهم لا يفقهون ، أو المراد زينا لكل أمة من أمم الكفار عملهم أي خليناهم وشأنهم وأمهلناهم حتى حسن عندهم سوء عملهم ، أو أمهلنا الشيطان حتى زين لهم أو زينا في زعمهم وقولهم إن اللّه أمرنا بهذا وزينه لنا ، وضعف بعد المعارضة بالعلم وخلق الداعي بأن قوله تعالى
كَذلِكَ زَيَّنَّا
بعد قوله
فَيَسُبُّوا اللَّهَ
مشعر بأن إقدامهم على ذلك المنكر إنما كان بتزيين اللّه تعالى . وأيضا الإنسان لا يختار الكفر والجهل ابتداء مع العلم بكونه كفرا وجهلا والعلم بذلك ضروري ، بل إنما يختاره لأنه اعتقد كونه إيمانا وعلما وحقا وصدقا ، ولولا سابقة الجهل الأول لما اختار الجهل الثاني ولا تذهب الجهالات إلى غير النهاية ، فلا بد أن ينتهي إلى جهل أول يخلقه اللّه تعالى فيه وهو بسبب ذلك الجهل ظن الكفر إيمانا والجهل علما . قال :
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ
والغرض حكاية شبهة أخرى لهم وهي أن هذا القرآن كيفما كان أمره فليس من جنس المعجزات البتة ، ولو أنك يا محمد جئتنا بمعجزة باهرة وبينة قاهرة لآمنا بك وأكدوا هذا المعنى بالأيمان والأقسام . قال الواحدي :
إنما سمى اليمين بالقسم لأن اليمين موضوعة لتوكيد الخبر وكانت الحاجة إلى ذكر الحلف عند انقسام الناس وقت سماع الخبر إلى مصدق ومكذب ، فمعنى الأقسام إزالة القسمة وجعل الناس كلهم مصدقين بواسطة الحلف واليمين .
عن محمد بن كعب قال : كلمت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وآله قريش فقالوا : يا محمد تخبرنا أن موسى كانت معه عصا فضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، وأن عيسى كان يحيي الموتى ، وأن صالحا كانت له ناقة ، فأتنا ببعض تلك الآيات حتى نصدقك . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أي شيء تحبون أن آتيكم به ؟ قالوا : تجعل لنا الصفا ذهبا . قال : فإن فعلت تصدقوني ؟ قالوا : نعم واللّه لئن فعلت لنتبعنك أجمعون . فقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يدعو فجاءه جبريل عليه السلام فقال : إن شئت أصبح الصفا ذهبا ولكن لم أرسل بآية فلم يصدق بها إلا أنزلت العذاب ، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أتركهم حتى يتوب تائبهم وأنزل اللّه الآيات إلى قوله
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ
قال الكلبي ومقاتل : إذا حلف الرجل باللّه فهو جهد يمينه . وقال الزجاج : معناه بالغوا في الأيمان . والمراد بقوله
لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ
ما روينا من جعل الصفا ذهبا . وقيل : هي الأشياء المذكورة في قوله
وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا
[ الإسراء : 90 ] الآيات . وقيل : كان النبي صلى اللّه عليه وسلم وآله يخبرهم بأن عذاب الاستئصال كان ينزل بالأمم المتقدمين المكذبين فالمشركون طلبوا مثلها .
قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ
أي هو مختص بالقدرة على أمثال هذه الآيات لأن المعجزات لا تحصل إلا بتخليق اللّه تعالى ، أو المراد بالعندية هو العلم بأن إحداث هذه المعجزات هل يقتضي