تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣

التفسير :

إنه سبحانه كثيرا ما يحتج على مشركي العرب بأحوال إبراهيم صلوات الرحمن عليه لأنه يعرف بالفضل والتقدم عند جميع الطوائف ، وذلك أنه سلم قلبه للرحمن ولسانه للبرهان وبدنه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان . ثم إن بظاهر الآية يدل على أن اسم والد إبراهيم هو آزر ، ومنهم من قال : اسمه تارح . قال الزجاج : لا خلاف بين النسابين أن اسمه تارح ، فمن الملحدة من طعن في هذا النسب لهذا السبب . والجواب أن إجماع النسابة لا عبرة به لأن ذلك ينتهي إلى قول الواحد أو الاثنين - مثل وهب وكعب - أو غيرهما . سلمنا أن اسمه كان « تارح » لكنه من المحتمل أن يكون أحدهما لقبا والآخر اسما أصليا ، أو يكون آزر صفة مخصوصة في لغتهم كالمخطئ والمخذول . وقيل : إن آزر هو الشيخ الهرم بالخوارزمية وهذا عند من يجوز اشتمال القرآن على ألفاظ قليلة من غير لغة العرب . وقيل : إن آزر اسم صنم يجوز أن ينبز به للزومه عبادته ، فإن من بالغ في محبة واحد فقد يجعل اسم المحبوب اسما للمحب قال تعالى
يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ
[ الإسراء : 71 ] وقال الشاعر :
أدعى بأسماء نبزا في قبائلها * كأن أسماء أضحت بعض أسمائي .
أو أريد عابد آزر فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه . وقيل : إن والد إبراهيم كان تارح وكان آزر عما له والعم قد يطلق عليه اسم الأب بدليل قوله
نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ
[ البقرة : 133 ] ومعلوم أن إسماعيل كان عما ليعقوب . ومما يدل على صحة ظاهر الآية أن اليهود والنصارى والمشركين كانوا حراصا متهالكين على تكذيب الرسول صلى اللّه عليه وسلم وإظهار نقصه ، فلو كان النسب كذبا لامتنع في العادة سكوتهم عن تكذيبه ، وحيث لم يكذبوه علمنا أن النسب صحيح ، قالت المعتزلة ومن يجري مجراهم : إن أحدا من آباء الرسول صلى اللّه عليه وسلم ما كان كافرا وفسروا قوله
وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ
[ الشعراء : 219 ] بانتقاله من ساجد إلى ساجد وأكدوه بما روي أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لم أزل أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات » وإن آزر كان عم إبراهيم وما كان والدا له لأن إبراهيم شافهه بالغلظة والجفاء في قوله :
إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
وقد قال تعالى
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما
[ الإسراء : 23 ] ولأنه ناداه بالاسم في قراءة من قرأ « آزر » بالضم . والنداء بالاسم دليل الاستخفاف ولهذا لم يقرأ بالضم في قوله
وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي
[ الأعراف : 142 ] وأجيب بأن قوله
وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ
[ الشعراء : 219 ] يحتمل وجوها أخرى سوف يجيء ذكرها ، وبأن قوله « لم أزل أنتقل » محمول على أنه لم يقع في نسبه ما كان سفاحا . والتغليظ من إبراهيم إنما كان لأجل إصرار