تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
وغلظ القلب غالبة عليهم كانت مصالحهم في التكاليف الشديدة الشاقة ، وهذه الأمة الرقة وكرم الخلق غالبة عليهم فكانت مصلحتهم في التخفيف وترك التغليظ . وأما أن اليهود لم خصت بغلظ الطبع وهذه الأمة باللطافة والكرم فليس إلينا أن نعلم تفاصيل جميع الكائنات وما لا يدرك كله لا يترك كله . النوع الثالث : الدعاء
رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ
ومن الأصحاب من تمسك به في جواز تكليف ما لا يطاق إذ لو لم يكن جائزا لما حسن طلب تركه بالدعاء . وأجاب المعتزلة عنه بأن معنى قوله :
لا طاقَةَ لَنا
أي ما يشق فعله لا الذي لا قدرة لنا عليه . وفي الحديث أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال في المملوك : « له طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق » أي لا يشق عليه . وزيف بأن معناه ومعنى الآية المتقدمة يكون حينئذ واحدا فعدلوا عن ذلك وقالوا : المراد منه العذاب أي لا تحملنا عذابك الذي لا نطيق احتماله . سلمنا أنهم سألوا اللّه تعالى أن لا يكلفهم ما لا قدرة لهم عليه ، لكن ذلك لا يدل على جواز أن يفعل خلاف ذلك كما أن قوله
رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ
لا يدل على جواز أن يحكم بباطل . وكذا قول إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم
وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ
[ الشعراء : 87 ] لا يدل على أن خزي الأنبياء جائز . قيل : لم خص التكليف الشاق بالحمل والتكليف الذي لا قدرة عليه بالتحميل ؟ وأجيب بأن الحاصل فيما لا يطاق هو التحميل دون الحمل . قيل : لما طلب أن لا يكلفه بالفعل الشاق كان من لوازمه أن لا يكلفه بما لا يطاق فكان المناسب طرح هذا الدعاء لا أقل من عكس الترتيب . والجواب على تفسير المعتزلة ظاهر أي لا تحملنا عذابك فإنهم طلبوا الإعفاء عن التكليفات الشاقة التي كلفها من قبلهم ، ثم عما نزل عليهم من العقوبات على تفريطهم في المحافظة عليها . وأما على تفسير الأشاعرة فهو أنهم سألوا أن لا يكلفهم تكليفا شاقا مقيدا وهو التكليف بما كلف من قبلهم ، ثم سألوا أن لا يكلفهم التكليف الشاق الذي لا قدرة لهم عليه مطلقا سواء كلف بذلك من قبلهم أم لا . وقيل : الأول طلب ترك التشديد في مقام القيام بظاهر الشريعة ، والثاني طلب ذلك في مقام الحقيقة وهو مقام الاشتغال بمعرفة اللّه وخدمته وطاعته وشكر نعمه أي لا تطلب مني حمدا يليق بجلالك ولا شكرا يليق بآلائك ونعمائك ، ولا معرفة تليق بقدس عظمتك وكمالك . وأما الفائدة في حكاية هذه الأدعية بصيغة الجمع في
لا تُؤاخِذْنا
وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا
فذلك أنه إذا اجتمعت النفوس والهمم على كل شيء كان حصوله أرجى . النوع الرابع من الدعاء
وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا
وإنما حذف النداء وهو قوله « ربنا » هاهنا لأن النداء يشعر بالبعد . فترك النداء يؤذن بأن العبد إذا واظب على التضرع