تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
تنساها لغلبة البرد والرطوبة على أمزجتهن أو إحدى النفسين ، فإن الإنسان لا يخلو من النسيان
فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى
وانتصابه على أنه مفعول له أي إرادة أن تضل . قال في الكشاف : فإن قلت : كيف يكون ضلالها مرادا للّه ؟ قلت : لما كان الضلال سببا للإذكار والإذكار مسببا عنه وهم ينزلون كل واحد من السبب والمسبب منزلة الآخر لالتباسهما واتصالهما ، كانت إرادة الضلال المسبب عنه الإذكار إرادة للإذكار ، فكأنه قيل : إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت ونظيره قولهم « أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه ، وأعددت السلاح أن يجيء عدو فأدفعه » . وفي التفسير الكبير أن هاهنا غرضين : أحدهما حصول الإشهاد وذلك لا يتأتى إلا بتذكير إحدى المرأتين . والثاني بيان تفضيل الرجل على المرأة حتى يبين أن إقامة المرأتين مقام الرجل الواحد هو العدل في القضية وذلك لا يتأتّى إلا بضلال إحدى المرأتين ، فلهذا صار كل من الغرضين صحيحا ولا محذور . ومن قرأ بكسر « إن » على الشرط والجزاء فلا إشكال . وروي عن سفيان بن عيينة أنه قال
فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا
معناه فتجعل إحداهما الأخرى ذكرا يعني أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذكر ولا يخفى ما فيه من التعسف . واعلم أن الشهادة خبر قاطع ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم : « على مثل الشمس فاشهد أو فدع » وقد يقام الظن المؤكد فيه مقام اليقين ضرورة . وقول الشاهد الواحد لا يكفي للحكم به إلا في هلال رمضان كما مر ، ولا يحتاج إلى أزيد من اثنين إلا في الزنا لقوله تعالى :
ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ
[ النور : 4 ] وقال :
فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ
[ النساء : 15 ] ولا يعتبر فيه شهادة النساء . عن الزهري أنه قال مضت السنة من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والخليفتين بعده أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود وغير هلال رمضان والزنا إما عقوبة أو غيرها . فإن كان عقوبة فلا يثبت إلا برجلين لما مر من حديث الزهري يستوي فيه حق اللّه تعالى كحد الشرب وقطع الطريق ، وحق العباد كالقصاص والقذف ، وأما غير العقوبات فما ليس بمالي . ولا يقصد به المال إن كان مما يطلع عليه الرجال غالبا كالنكاح والرجعة والطلاق والعتاق والإسلام والردة والبلوغ والولاء وانقضاء العدة وجرح الشهود وتعديلهم والعفو عن القصاص ، فكل ذلك لا يثبت إلا برجلين أيضا . وإن كان مما يختص بمعرفته النساء غالبا فتقبل فيه شهادتهن على انفرادهن لما روي عن الزهري أنه قال : مضت السنة أن تجوز شهادة النساء في كل شيء لا يليه غيرهن وذلك كالولادة والبكارة والثيابة والرتق والقرن والحيض والرضاع وعيب المرأة من برص وغيره تحت الإزار ، ولا يثبت شيء من ذلك بأقل من أربع نسوة تنزيلا لاثنتين منهن منزلة رجل . وما يثبت بهن يثبت برجل وامرأتين وبرجلين بالطريق الأولى . وأما ما هو مال أو يقصد به المال كالأعيان
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 76 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات