تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 595

مساهمون:

ص٥٩٥
في قوله :
وَعِنْدَهُمُ
للحال من التحكيم والعامل ما في الاستفهام من التعجيب . أما قوله :
فِيها حُكْمُ اللَّهِ
فإما أن ينتصب حالا من التوراة على ضعف وهي مبتدأ خبره
عِنْدَهُمُ
وإما أن يرتفع خبرا عنها والتقدير وعندهم التوراة ناطقة بحكم اللّه فيكون
عِنْدَهُمُ
متعلق بالخبر ، وإما أن لا يكون له محل ويكون جملة مبينة لأن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم كقولك : عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب فما تصنع بغيره . وأنثت التوراة لما فيها من صورة تاء التأنيث .
ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ
عطف على
يُحَكِّمُونَكَ
و « ثم » لتراخي الرتبة أي ثم يعرضون من بعد تحكيمك عن حكمك الموافق لما في كتابهم .
وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ
إخبار بأنهم لا يؤمنون أبدا ، أو المراد أنهم غير مؤمنين بكتابهم كما يدعون ، أو المراد أنهم غير كاملين في الإيمان على سبيل التهكم بهم . ثم رغب اليهود في أن يكونوا كمتقدميهم من أنبيائهم ومسلمي أحبارهم فقال :
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً
ونور العطف يقتضي التغاير فقيل : الهدى بيان الأحكام والشرائع والنور بيان التوحيد والنبوة والمعاد . وقال الزجاج : الهدى بيان الحكم الذي جاءوا يستفتون فيه ، والنور بيان أن أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم حق . وقيل : فيها هدى يهدي للحق والعدل ، ونور يبين ما استبهم من الأحكام ، فهما عبارتان عن معبر واحد ، وقد يستدل بالآية على أن شرع من قبلنا يلزمنا لأن الهدى والنور لا بد أن يكون أحدهما يتعلق بالفروع والآخر بالأصول وإلا كان تكرارا . وأيضا إنها نزلت في الرجم ومورد الآية لا بد أن يكون داخلا فيها سواء قلنا إن غيره داخل أو خارج . ويمكن أن يجاب بأن التكرار بعبارتين غير محذور أو بأن في الكلام تقديما وتأخيرا والمراد فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون . أما قوله :
الَّذِينَ أَسْلَمُوا
فأورد عليه أن كل نبي مسلم فما الفائدة في هذا الوصف ؟ وأجيب بأنها صفة جارية على سبيل المدح لا التوضيح والكشف ، وفيه تعريض باليهود أنهم بعداء عن ملة الإسلام التي هي دين الأنبياء قديما وحديثا لأن غرض الأنبياء الانقياد لتكاليف اللّه وغرضكم من ادعاء الحكم بالتوراة أخذ الرشا من العوام ، فالفريقان متباينان ولهذا أردفه بقوله :
لِلَّذِينَ هادُوا
أي يحكمون لأجلهم . قال في الكشاف : قوله تعالى :
الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا
مناد على أن اليهود بمعزل عن الإسلام . قلت : هذا بناء على أن صفة الحاكمين يلزم أن تكون مغايرة لصفة المحكومين . ولقائل أن يقول : بعد تسليم ذلك إنه لم لا يكفي مغايرة العام للخاص ؟ وقال الحسن والزهري وعكرمة وقتادة والسدي : المراد بالنبيين هو محمد صلى اللّه عليه وسلم كقوله :
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً
[ النحل : 120 ] لأنه اجتمع فيه من الخصال ما كانت مفرقة في الأنبياء : وقيل : أسلموا أي انقادوا لحكم التوراة . فمن الأنبياء من لم تكن