تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 585

مساهمون:

ص٥٨٥
المعتزلة بها على القطع بوعيد الفساق وعلى الإحباط . وقالت الأشاعرة : بل بشرط عدم العفو
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا
قال الشافعي : إن تاب بعد القدرة عليه لم يسقط عنه ما يختص بقطع الطريق من العقوبات لأنه متهم حينئذ بدفع العذاب عنه وفي سائر الحدود بعد القدرة عليه . قيل : يكفي في التوبة إظهارها كما يكفي إظهار الإسلام تحت ظلال السيوف . والأصح أنه لا بدّ مع التوبة من إصلاح العمل لقوله تعالى في الزنا
فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما
[ النساء : 16 ] وفي السرقة
فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ
ولعل الفائدة في هذا الشرط أنه إن ظهر ما يخالف التوبة أقيم عليه الحد ، وإنما يسقط بتوبة قاطع الطريق قبل القدرة عليه تحتم القتل . فالولي يقتص أو يعفو بناء على أن عقوبة قاطع الطريق لا تتمحض حدا بل يتعلق بها القصاص وهو الأظهر ، أما إذا محضناه حدا فلا شيء عليه ، وإن كان قد أخذ المال وقتل سقط الصلب وتحتم القتل . وفي القصاص وضمان المال ما ذكرنا وإن كان قد أخذ المال سقط عنه قطع الرجل . وفي قطع اليد وجهان : الأظهر السقوط أيضا بناء على أنه جزء من الحد الواجب فإذا لم يقم الكل لم يقم شيء من أجزائه بالاتفاق . والثاني أنه ليس من خواص قطع الطريق لأنه يجب بالسرقة ففي سقوطه الخلاف في سائر الحدود . ثم إنه سبحانه لما بيّن كمال جسارة اليهود على المعاصي وغاية بعدهم عن الوسائل إلى اللّه وآل الكلام إلى ما آل عاد إلى إرشاد المؤمنين ليكونوا بالضدّ منهم فقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ
وأيضا فإنهم قالوا : نحن أبناء اللّه وأحباؤه أي نحن أبناء الأنبياء وكان افتخارهم بأعمال آبائهم فقيل للمؤمنين : لتكن مفاخرتكم بأعمالكم لا بأسلافكم فقوله :
اتَّقُوا اللَّهَ
إشارة إلى ترك المنهيات وقوله :
وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ
عبارة عن فعل المأمورات وإن كان ترك المناهي أيضا من جملة الوسائل إلّا أن هذا التقرير مناسب ، والفعل والترك أيضا يعتبران في الأخلاق الفاضلة والذميمة وفي الأفكار الصائبة والخاطئة ، وأهل التحقيق يسمون الترك والفعل بالتخلية والتحلية أو بالمحو والحضور أو بالنفي والإثبات أو بالفناء والبقاء ، والأول مقدّم على الثاني ، فما لم يفن عما سوى اللّه لم يرزق البقاء باللّه . والوسيلة « فعيلة » وهي كل ما يتوسل به إلى المقصود ولهذا قد تسمى السرقة توسلا والواسل الراغب إلى اللّه قال لبيد : ألا كل ذي لب إلى اللّه واسل والتوسيل والتوسل واحد يقال : وسل إلى ربه وسيلة وتوسل إليه بوسيلة إذا تقرب إليه