ذكاته لم يجز أكله لأنّ قوله :
مُكَلِّبِينَ
يدل على كون هذا الحكم مخصوصا بالكلب .
والجمهور على أنّ الجوارح يدخل فيه ما يمكن الاصطياد به من السباع . قالوا : المكلب مؤدب الجوارح ورائضها لأنّ تصطاد لصاحبها وإنما اشتق من الكلب لكثرة هذا المعنى في جنسه ، أو لأنّ كل سبع يسمى كلبا
كقوله صلى اللّه عليه وسلم : « اللهم سلّط عليه كلبا من كلابك فأكله الأسد » .
أو من الكلب الذي هو بمعنى الضراوة . يقال : فلان كلب بكذا إذا كان حريصا عليه . وهب أن المذكور في الآية إباحة الصيد بالكلب لكن تخصيصه بالذكر لا ينفي حل غيره لجواز الاصطياد بالرمي وبالشبكة ونحوها مع سكوت الآية عنها .
تُعَلِّمُونَهُنَّ
حال ثانية أو استئناف مما علمكم اللّه من علم التكليب لأنّ بعضه إلهام من اللّه أو مما عرفكم أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه وانزجاره بزجره . واعلم أنه يعتبر في صيرورة الكلب معلما أمور منها : أن ينزجر بزجر صاحبه في ابتداء الأمر وكذا إذا انطلق واشتد عدوه وحدّته ، يشترط أن ينزجر بزجره أيضا على الأشبه فيه يظهر التأدب . ومنها أن يسترسل بإرسال صاحبه أي إذا أغري بالصيد هاج . ومنها أن يمسك الصيد لقوله :
فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ
وفي هذا اعتبار وصفين : أحدهما أن يحفظه ولا يخليه ، والثاني أن لا يأكل منه
لقوله صلى اللّه عليه وسلم لعدي بن حاتم : فإن أكل فلا تأكل منه فإنما أمسكه على نفسه .
وجوارح الطير يشترط فيها أن تهيج عند الإغراء وأن تترك الأكل ولكن لا مطمع في انزجارها بعد الطيران .
ويشترط عند الشافعي تكرر هذه الأمور بحيث يغلب على الظن تأدب الجارحة بها وأقله ثلاث مرات . ولم يقدر الأكثرون عدد المرات كأنهم رأوا العرف مضطربا ، وطباع الجوارح مختلفة فيرجع إلى أهل الخبرة بطباعها . وعن سلمان الفارسي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وأبي هريرة أنه يحل وإن أكل فعندهم الإمساك هو أن يحفظه ولا يتركه . ومعنى الآية كلوا مما تبقي لكم الجوارح وإن كان بعد أكلها منه . و « من » في
مِمَّا أَمْسَكْنَ
قيل زائدة نحو
كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ
[ الأنعام : 141 ] وقيل مفيدة وذلك أن بعض الصيد لا يؤكل كالعظم والدم والريش . وقال سعيد بن جبير وأبو حنيفة والمزني : يؤكل ما بقي من جوارح الطير ولا يؤكل ما بقي من الكلب . والفرق أن تأديب الكلب بالضرب على الأكل ممكن وتأديب الطير غير ممكن . ولا خلاف أنه إذا كانت الجارحة معلمة ثم تصيد صيدا وجرحته وقتلته وأدركه الصائد ميتا فهو حلال ، وجرح الجارحة كالذبح وإن قتلته بالفم من غير جرح ففي حله خلاف . أما قوله سبحانه :
وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ
فالضمير إما أن يعود إلى
مِمَّا أَمْسَكْنَ
أي سموا عليه إذا أدركتم ذكاته ، أو إلى
ما عَلَّمْتُمْ
أي سموا عليه عند إرساله أو إلى الأكل ، وعلى هذا فلا كلام . وعلى الأول فالتسمية محمولة على الندب عند الشافعي ، وعلى الوجوب عند أبي حنيفة وسيجيء تمام المسألة في سورة الأنعام إن شاء اللّه تعالى .