تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 527

مساهمون:

ص٥٢٧
ألقى اللّه شبهه عليه فقتل وصلب .
وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ
قيل : إن المختلفين هم اليهود لما قتلوا الشخص المشبه ونظروا إلى بدنه قالوا : الوجه وجه عيسى والجسد جسد غيره . وقال السبكي : لما قتلوا اليهودي المشبه مكانه قالوا : إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا ، وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى ؟ وقيل : إن المختلفين هم النصارى وذلك أنهم بأسرهم متفقون على أن اليهود قتلوه إلا أن كبار فرق النصارى ثلاثة : النسطورية والملكانية واليعقوبية . فالنسطورية زعموا أن المسيح صلب من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته وهو قريب من قول الحكماء إنّ القتل والموت يرد على الهيكل لا على النفس المجردة ، وعلى هذا فالفرق بين عيسى وبين سائر المصلوبين أن نفسه كانت قدسية علوية مشرقة قريبة من عالم الأرواح فلم يعظم تألمها بسبب القتل وتخريب البدن . وقالت الملكانية : القتل والصلب وصل إلى اللاهوت بالإحساس والشعور لا بالمباشرة . وقالت اليعقوبية : القتل والصلب وقع للمسيح الذي هو جوهر متولد من جوهرين ، والشك في الأحكام استواء طرفي نقيضه عند الذاكر وقد يطلق عليه الظن ولهذا ذم في قوله :
ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ
وأما العمل بالقياس فليس من اتباع الظن في شيء لأنه عمل بالطرف الراجح ، ولأن العلم بوجوب العمل قطعي . ثم قال :
وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً
وإنه يحتمل عدم يقين القتل أي قتلا يقينا أو متيقنين . واليقين عقد جازم مطابق ثابت لدليل ويحتمل يقين عدم القتل على أن
يَقِيناً
تأكيد لقوله :
وَما قَتَلُوهُ
أي حق انتفاء قتله حقا وهذا أولى لقوله :
بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ
وقيل : هو من قولهم قتلت الشيء علما إذا تبالغ فيه علمه فيكون تهكما بهم لأنه نفى عنهم العلم أولا نفيا كليا ثم نبه بقوله :
وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً
على أن رفع عيسى إلى السماء بالنسبة إلى قدرته سهل وأن فيه من الحكم والفوائد ما لا يحصيها إلّا هو . ثم قال :
وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ
فقوله :
إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ
جملة قسمية واقعة صفة لموصوف محذوف « وإن » هي النافية . التقدير : وما من أهل الكتاب أحد إلّا ليؤمنن به كقوله :
وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
[ الصافات : 164 ] والضمير في
بِهِ
عائد إلى عيسى ، وفي
مَوْتِهِ
إلى أحد . عن شهر بن حوشب قال لي الحجاج : آية ما قرأتها إلّا تخالج في نفسي شيء منها يعني هذه الآية وقال : إني أوتي بالأسير من اليهود والنصارى فأضرب عنقه فلا أسمع منه ذلك . فقلت : إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة دبره ووجهه وقالوا : يا عدوّ اللّه أتاك عيسى نبيا فكذبت به فيقول : آمنت أنه عبد نبي . وتقول للنصراني : أتاك عيسى نبيا فزعمت أنه اللّه أو ابن اللّه فيؤمن به ويقول : إنه