تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
ذهبا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقضى لليهودي . فلما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال : ننطلق إلى عمر بن الخطاب . فأقبلا إلى عمر فقال اليهودي : اختصمت أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه يخاصم إليك وتعلق بي فجئت معه . فقال عمر للمنافق : أكذلك ؟ قال : نعم . فقال لهما : مكانكما حتى أخرج إليكما ، فدخل عمر فاشتمل على سيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى برد ثم قال : هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء اللّه ورسوله وهرب اليهودي فنزلت الآية . وقال جبريل : إن عمر فرق بين الحق والباطل فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أنت الفاروق . وعلى هذا الطاغوت كعب بن الأشرف . وقال السدي : كان ناس من اليهود أسلموا ونافق بعضهم ، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل قرظي نضيريا قتل به وأخذ ديته مائة ووسق من تمر ، وإذا كان بالعكس لم يقتل به وأعصى ديته ستين وسقا من تمر . وكانت النضير حلفاء الأوس وكانوا أكثر وأشرف من قريظة وهم حلفاء الخزرج . فقتل نضيري قرظيا واختصموا في ذلك . فقال بنو النضير : لا قصاص علينا إنما علينا ستون وسقا من تمر على ما اصطلحنا عليه . وقالت الخزرج : هذا حكم الجاهلية ونحن وأنتم اليوم إخوة وديننا واحد ولا فضل بيننا . فقال المنافقون : انطلقوا إلى أبي برزة الكاهن الأسلمي . وقال المسلمون : لا بل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم . فأبى المنافقون فانطلقوا إلى أبي بردة ليحكم بينهم فقال : أعظموا اللقمة - يعني الرشوة - فقالوا : لك عشرة أوسق . فقال : لا بل مائة ووسق ديتي فإني أخاف إن نفرت النضيري قتلتني قريظة ، وإن نفرت القرظي قتلتني النضير . فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوسق وأبى أن يحكم بينهم فأنزل اللّه هذه الآية . فدعا النبي صلى اللّه عليه وسلم كاهن أسلم إلى الإسلام فأبى وانصرف فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم لابنيه : أدركا أباكما فإنه إن جاز عقبة كذا لم يسلم أبدا فأدركاه فلم يزالا به حتى انصرف وأسلم وأمر النبي صلى اللّه عليه وسلم مناديا فنادى : ألا إن كاهن أسلم قد أسلم . وعلى هذا القول الطاغوت هو الكاهن . وقال الحسن : إنّ رجلا من المسلمين كان له على رجل من المنافقين حق ، فدعاه المنافق إلى وثن كان أهل الجاهلية يتحاكمون إليه ورجل قائم يترجم الأباطيل عن الوثن ، فالطاغوت ذلك الرجل . وقيل : كانوا يتحاكمون إلى الوثن يضربون القداح بحضرته ، فما خرج على القداح عملوا به فالطاغوت هو الوثن . ثم إن الطاغوت أي شيء كان من الأشياء المذكورة فإنه تعالى جعل التحاكم إليه مقابلا للكفر به ، لكن الكفر به إيمان باللّه وبرسوله فيكون نصا في تكفير من لم يرض بقضاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تشككا أو تمردا ويؤكده قوله بعد ذلك :
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ
الآية . ومن هنا ذهب كثير من الصحابة إلى الحكم بارتداد مانعي الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم . ثم قال :
وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً